في ظل استمرار ارتفاع أسعار المواد الغذائية وتزايد الضغوط على القدرة الشرائية للأسر المغربية، خاصة ذات الدخل المحدود، عادت حملات مقاطعة المنتجات إلى الواجهة باعتبارها إحدى الوسائل التي يلجأ إليها المستهلكون للتعبير عن رفضهم لموجات الغلاء ومحاولة الضغط على الأسواق.
وبين من يعتبر المقاطعة الاستهلاكية سلاحا سلميا لمواجهة ارتفاع الأسعار، ومن يرى أنها مجرد إجراء ظرفي لا يعالج جذور الأزمة، تتباين المواقف بشأن مدى قدرتها على التأثير في الأسعار وتخفيف الأعباء المالية عن الأسر، في وقت تتزايد فيه المطالب بإصلاح الاختلالات التي تطبع سلاسل الإنتاج والتوزيع والتسويق.
وتعكس الأسعار المتداولة في عدد من الأسواق حجم هذه الضغوط، إذ يتراوح سعر الكيلوغرام الواحد من الدجاج بين 25 و30 درهما، فيما يتراوح سعر الطماطم بين 10 و12 درهما، بينما يصل سعر البطاطس إلى نحو 8 دراهم، وهي مستويات تزيد من صعوبة تدبير المصاريف اليومية للأسر، خصوصا في ظل ارتفاع أسعار مواد غذائية أخرى.
المقاطعة وسيلة للضغط على السوق
وفي هذا السياق، اعتبر رئيس المرصد المغربي لحماية المستهلك، حسن أيت علي، أن حملات المقاطعة الاستهلاكية الطوعية والسلمية، القائمة على معلومات موثوقة، تشكل وسيلة فعالة للتعبير عن مواقف المستهلكين وتدبير نفقاتهم، من خلال التخلي المؤقت عن بعض المنتجات أو التوجه نحو بدائل أقل تكلفة.
وأوضح، في تصريح لصحيفة «صوت المغرب»، أن تراجع الطلب على منتج معين، في حال اتساع دائرة المقاطعة، يمكن أن يشكل رسالة واضحة للفاعلين الاقتصاديين، وقد يساهم في ممارسة ضغط على الأسعار، غير أن ذلك لا يعني بالضرورة انخفاضها بشكل فوري، بالنظر إلى ارتباطها بتكاليف الإنتاج وحجم العرض ومدى استجابة مختلف المتدخلين.
وشدد المتحدث على أن المقاطعة تظل آلية مكملة للرقابة والإصلاح، مع ضرورة الحفاظ على استمرارية الإنتاج وتفادي الإضرار بالمنتجين المسؤولين.
وفي السياق ذاته، عبر المرصد المغربي لحماية المستهلك عن قلقه من وصول أسعار الدجاج إلى نحو 30 درهما للكيلوغرام في بعض نقاط البيع، معتبرا أن هذا الارتفاع يزيد من الأعباء المعيشية للأسر، بالنظر إلى المكانة التي يحتلها الدجاج ضمن النظام الغذائي للمغاربة، باعتباره مصدرا للبروتين يتناسب عادة مع إمكانات الفئات محدودة الدخل.
ودعا المرصد إلى توضيح الأسباب الحقيقية وراء ارتفاع الأسعار، ومعالجة الاختلالات التي قد تثبت في مراحل الإنتاج والتوزيع والتسويق، إلى جانب ترسيخ ثقافة الاستهلاك المعتدل وتنويع مصادر الغذاء والبروتين بما يتلاءم مع إمكانات الأسر واحتياجاتها.
كما أكد دعمه لحق المستهلك في الاختيار والمقاطعة، مع احترام حرية الآخرين في اتخاذ قراراتهم الاستهلاكية، مشددا على ضرورة إرساء سوق أكثر شفافية تضمن حماية القدرة الشرائية وتحقيق الإنصاف بين مختلف المتدخلين.
ترشيد الاستهلاك بدل المقاطعة
في المقابل، يرى رئيس هيئة حماية المستهلك، نبيل الصافي، أن مقاطعة المنتجات لا تمثل حلا جذريا للمشاكل الاقتصادية وارتفاع الأسعار، معتبرا أن التعامل مع الظرفية الحالية يقتضي بالأساس ترشيد الاستهلاك والاقتصار على اقتناء الحاجيات الضرورية، مع الاستغناء عن المواد غير الأساسية.
وأوضح الصافي أن موجة الغلاء الحالية ترتبط بمجموعة من العوامل الداخلية والخارجية، من بينها تأثير التقلبات في العلاقات والأسواق الدولية على أسعار المحروقات، فضلا عن وضعية تموين السوق الوطنية ومستويات توفر المنتجات وتخزينها.
وأضاف أن تدخل بعض الوسطاء والسماسرة والمحتكرين، إلى جانب الممارسات المرتبطة بالتلاعب بالأسواق، قد يزيد من حدة ارتفاع الأسعار ويعمق معاناة المستهلكين.
وأكد أن دور هيئة حماية المستهلك يرتكز أساسا على توعية المواطنين وإرشادهم إلى أفضل السبل للتعامل مع هذه الظروف، من خلال ترسيخ ثقافة الاستهلاك المسؤول وتدبير النفقات الأسرية وفق الأولويات والإمكانات المتاحة.
وبين الموقفين، تستمر المقاطعة في إثارة النقاش حول حدود تأثير المستهلك في ضبط الأسعار، ومدى قدرة الاختيارات الفردية والجماعية على مواجهة الغلاء، مقابل الحاجة إلى تدخلات أوسع لمعالجة الاختلالات البنيوية التي تؤثر على الأسواق وتحمي القدرة الشرائية للمواطنين.












