يشهد المغرب في السنوات الأخيرة أزمة مناخية غير مسبوقة انعكست بشكل واضح على موارده المائية. فقد عرفت البلاد خمس سنوات متتالية من الجفاف، وهو ما أدى إلى تراجع خطير في نسبة التساقطات المطرية وانخفاض مستوى السدود والموارد الجوفية. هذا الوضع وضع المملكة أمام تحديات حقيقية تهدد أمنها المائي والغذائي على حد سواء.
تراجع حصة الفرد من المياه في المغرب بشكل مثير للقلق، إذ انخفضت من حوالي 2500 متر مكعب سنوياً خلال العقود الماضية إلى أقل من 650 مترًا مكعبًا حاليًا، وهو رقم يضع البلاد ضمن خانة الدول التي تعاني ضغطًا مائيًا شديدًا. هذا الانخفاض لم يقتصر على الأرقام فقط، بل ترجم إلى واقع يعيشه الفلاحون الذين وجدوا أنفسهم أمام محاصيل مهددة بالهلاك، ومواطنون يعانون من شح المياه في بعض المناطق القروية والجبلية.
الأزمة المناخية لم تقتصر آثارها على الزراعة فقط، بل امتدت إلى السواحل المغربية التي باتت مهددة بارتفاع مستوى البحر والتآكل، مما يهدد مدنًا حيوية مثل الدار البيضاء وطنجة وأكادير. كما أن التصحر وتدهور الأراضي الزراعية زادا من تعقيد الوضع، وجعلا الأمن الغذائي الوطني في مواجهة ضغوط متزايدة.
في مواجهة هذه التحديات، سارعت الحكومة إلى تبني مجموعة من المشاريع الاستراتيجية، من أبرزها بناء محطات جديدة لتحلية مياه البحر، وتوسيع شبكة السدود، إضافة إلى مشروع الربط المائي بين حوض سبو وحوض أبي رقراق لتأمين مياه الشرب للرباط والدار البيضاء. غير أن هذه الجهود، رغم أهميتها، ما زالت تحتاج إلى رؤية شمولية تدمج التغيرات المناخية في السياسات العامة، وتعمل على ترشيد الاستهلاك، خاصة في القطاع الفلاحي الذي يظل أكبر مستهلك للمياه.
ويرى خبراء أن الحل لن يكون فقط في البنية التحتية والمشاريع الكبرى، بل يتطلب كذلك إشراك المواطن في حماية الموارد المائية، من خلال ترسيخ ثقافة الترشيد، واعتماد تقنيات جديدة مثل إعادة استخدام المياه العادمة وجمع مياه الأمطار. كما أن التعاون الدولي وتبادل الخبرات في هذا المجال يبقى رافعة أساسية لدعم جهود المغرب في مواجهة هذه الأزمة المعقدة.
وفي ظل استمرار الجفاف وارتفاع درجات الحرارة، يظل السؤال المطروح بإلحاح: هل ينجح المغرب في تحويل هذه الأزمة إلى فرصة لإرساء نموذج تنموي أخضر ومستدام، أم أن ندرة المياه ستظل كابوسًا يهدد مستقبل الأجيال القادمة؟












