ترى المخرجة والممثلة اللبنانية نادين لبكي أن السينما بالنسبة لها ليست مجرد ممارسة فنية، بل وسيلة لتحويل الغضب الداخلي إلى طاقة إيجابية خلاقة. غير أن هاجس الرقابة الذاتية، كما تقول، يظل أكثر ما يرعبها لأنه يفرغ دور الفنان من جوهره ويكبّل مسؤوليته تجاه مجتمعه.
وخلال استضافتها في فقرة “حوارات” ضمن فعاليات الدورة 22 للمهرجان الدولي للفيلم بمراكش، أوضحت لبكي أن السينما تمتلك قدرة فريدة على ملامسة الوجدان ودفع الجمهور إلى طرح الأسئلة الجوهرية حول الذات والمجتمع. لكنها تخشى أن يؤدي الخضوع للنظرة السائدة أو محاولة إرضاء الآخرين إلى فقدان تلك البراءة الأولى في النظر إلى الأشياء، وهي براءة تعتبرها أساس الإبداع الحقيقي.
وتحدثت مخرجة فيلم “سكر بنات” عن أهمية الحفاظ على جرأة الفنان، مؤكدة أن دوره يتجلى في طرح الأسئلة المزعجة وزعزعة الأفكار الجاهزة، لا في مسايرة السائد. كما استعادت علاقتها الخاصة بمهرجان مراكش الذي عرض سنة 2018 فيلمها العالمي “كفر ناحوم”، والذي ترك أثراً عميقاً في ذاكرتها بعد التفاعل الكبير لجمهور المدينة الحمراء مع قصة أطفال الشارع في بيروت، خاصة من أبناء اللاجئين.
ورغم النجاحات الدولية الكبيرة التي حققها الفيلم، تعترف لبكي بأن التجربة ما زالت تترك ندوباً داخلها، إذ ظنّت في لحظة أن الفيلم قد يكون شرارة لتغيير واسع في حياة آلاف الأطفال. صحيح أن بطله، الطفل السوري زين، انتقل مع أسرته إلى النرويج ويواصل هناك دراسته في مجال البيطرة، إلا أن سؤالاً مريراً ما يزال يطاردها: “وماذا عن الآخرين الذين ما زالوا يعيشون المعاناة نفسها؟”.
وفي حديثها عن كواليس “كفر ناحوم”، أوضحت أن هدفها كان تصوير تلك الأماكن المنسية التي تعيش خارج أضواء المدينة، حيث كانت تضطر إلى التكيف مع إيقاع الأطفال خلال ساعات تصوير طويلة بهدف التقاط لحظات صادقة وغير مصطنعة، عبر مزيج من الفوضى المنظمة والارتجال الفني.
وتعتبر لبكي أن الأداء التمثيلي الحقيقي هو ذاك الذي يتماهى مع الواقع، لا الذي يكتفي بمحاكاته، ولذلك تلجأ غالباً إلى ممثلين غير محترفين، تهيئهم لإبراز ردود فعل تلقائية ونابعة من عمق التجربة. أما الموسيقى، فترى فيها أحد أبطال الفيلم الأساسيين، إذ ترافق المشروع منذ ولادته، مستفيدة من تعاونها المستمر مع زوجها الموسيقي الذي ينسج ألحاناً تستوحي روح المسرح الغنائي اللبناني الذي أرساه الرحابنة.
وتشير لبكي إلى أنها، حين تمثل تحت إدارة مخرجين آخرين، تدرك أكثر هشاشة المخرج ولحظات الشك التي يعيشها أثناء صناعة الفيلم، ما يجعلها أكثر رهافة في تعاملها مع الممثلين داخل أعمالها، معتمدة على الحدس والارتجال لخلق الظروف المناسبة للأداء الصادق.
كما لا تتنصل لبكي من مسارها الطويل في عالم الإعلانات والفيديو كليب، بل تعتبره مدرسة أساسية كوّنت شخصيتها الفنية، خاصة في مرحلة كانت فيها صناعة السينما العربية تعاني من ندرة الإنتاج وظروف الحرب.
وتعود قضية المرأة، الحاضرة بقوة في أفلامها مثل “هلأ لوين؟” الذي منح الكلمة لنساء يناضلن ضد الاحتراب الطائفي، إلى الواجهة في مشروعها السينمائي الجديد الذي تعمل عليه. فالمرأة، كما تقول لبكي، موضوع لا يشيخ، ما دامت الصور النمطية ما زالت تحاصر مسارها نحو التحرر.












