شكل إرث الرحالة المغربي الشهير ابن بطوطة، الذي حل بالصين خلال القرن الرابع عشر، محور زيارة قام بها، أمس الجمعة، وفد مغربي إلى مدينة تشيوانتشو المينائية بمقاطعة فوجيان، جنوب الصين، في إطار تعزيز التبادل الثقافي بين البلدين.
وخلال كلمة ألقاها بمتحف تاريخ الاتصالات البحرية بتشيوانتشو، أكد سفير جلالة الملك لدى الصين، عبد القادر الأنصاري، الذي ترأس الوفد المغربي، على الدور المحوري للعلاقات الإنسانية والثقافية في توطيد الروابط الصينية-المغربية، مبرزاً أن شخصية ابن بطوطة تمثل رمزاً تاريخياً يجسد عمق هذه العلاقات.
وأوضح السفير، في حفل افتتاح المهرجان الدولي لطريق الحرير البحري للسياحة الثقافية (11–15 دجنبر)، أن الرحالة المغربي يشكل حلقة وصل تاريخية بين الحضارتين، مشيراً إلى تمثال ابن بطوطة المعروض بالمتحف، والذي يعكس الحضور التاريخي للمغرب في مسارات التبادل الحضاري مع الصين.
وبعد إشادته بمتانة العلاقات الثنائية القائمة على الصداقة والتضامن والاحترام المتبادل، دعا السيد الأنصاري إلى تعزيز التعاون الثقافي والإنساني، سواء على المستوى الجهوي أو الحكومي، مذكراً بوجود مئات الطلبة المغاربة الذين يتابعون دراستهم بالجامعات الكبرى بمقاطعة فوجيان، في تجسيد عملي لدينامية التبادلات الإنسانية بين البلدين.
من جانبه، قدم جميل الوزاني، مدير التسويق والذكاء الاستراتيجي بميناء طنجة المدينة، خلال ندوة نظمت في إطار المهرجان، عرضاً حول فضاء ذاكرة ابن بطوطة بطنجة، الذي يندرج ضمن مشروع شامل لإعادة تهيئة المنطقة المينائية، بهدف إعادة تموقع المدينة كوجهة رائدة للسياحة البحرية بالبحر الأبيض المتوسط.
وأوضح الوزاني أن المشروع مكن من تحويل معالم المشهد المينائي لطنجة، من خلال نقل نشاط الحاويات إلى ميناء طنجة المتوسط، بما يسمح لميناء طنجة المدينة بالتركيز حصرياً على الأنشطة السياحية. وأضاف أن فترة جائحة كوفيد-19 استُغلت لإعادة تأهيل عدد من المعالم التاريخية البارزة، من بينها المبنى القديم للجمارك (باب الديوانة)، وفضاء ذاكرة ابن بطوطة ببرج النعام، ومركز التعريف بالتحصينات التاريخية (برج دار البارود)، إضافة إلى أسوار القصبة.
وأشار إلى أن فضاء ابن بطوطة، الذي افتتح في فبراير 2022 ببرج النعام، وهو تحصين عسكري يعود للقرن الثامن عشر، خضع لعملية ترميم بكلفة تناهز 15 مليون درهم. ويستعرض هذا الفضاء المسار الطويل لرحلات ابن بطوطة، التي امتدت على مدى 29 سنة، ما بين 1329 و1354، وقطع خلالها أزيد من 100 ألف كيلومتر، وزار 38 بلداً.
ويتيح الفضاء للزوار الاطلاع على خرائط لمسارات الرحلات، ونسخ من مؤلفات الرحالة، ونماذج لسفن تاريخية، إضافة إلى قطع أثرية مستعارة من بنك المغرب ومؤسسة عبد الهادي التازي.
وأكد الوزاني أن ابن بطوطة شخصية استثنائية، انطلق في سن 21 سنة لأداء فريضة الحج، ولم يعد إلا بعد ثلاثة عقود، مبرزاً أن بساطة أسلوبه في توثيق العادات والتقاليد التي عاينها عبر أسفاره تمنح رواياته قيمة تاريخية وإنسانية فريدة.
وأضاف أن فضاء ابن بطوطة لا يقتصر على بعده المتحفي، بل يحتضن أيضاً حفلات موسيقية وتظاهرات ثقافية كبرى، ويستقبل على مدار السنة وفوداً رسمية، وتلاميذ، وطلبة جامعيين، وباحثين من المغرب ومن مختلف أنحاء العالم.
وعلى هامش الزيارة، عقد أعضاء الوفد المغربي اجتماعاً مع مسؤولين من المديرية الإقليمية للثقافة والسياحة بمقاطعة فوجيان، جرى خلاله بحث اتفاق تعاون مرتقب بين المتحف البحري بتشيوانتشو وفضاء ابن بطوطة بطنجة، على أن يتم توقيعه في المستقبل القريب بعد استكمال الصيغة النهائية.
وضم الوفد المغربي أيضاً كلاً من كنزة اعمارة، رئيسة قسم ترجمة الإبداعات الثقافية بوزارة الشباب والثقافة والتواصل، وأحمد السرغيني، رئيس مصلحة المعارض الدولية بالوزارة ذاتها، إضافة إلى مدير دار النشر المغربية «أكسيونز كومينيكاسيون»، سعد حسيني.
وتندرج هذه الزيارة في إطار البرنامج التنفيذي للتعاون الثقافي 2024-2028، الموقع في يونيو 2024 بين المغرب والصين، والهادف إلى تعزيز التبادلات الثقافية، وتشجيع الزيارات المتبادلة، والتعريف بثقافة وحضارة البلدين.












