في أجواء يطبعها الصفاء الروحي وعبق التقاليد، تستقبل مدينة خنيفرة، عاصمة زيان التاريخية، شهر رمضان المبارك بطقوس أمازيغية أصيلة، ما تزال حاضرة بقوة في تفاصيل الحياة اليومية، سواء من خلال المائدة الرمضانية أو عبر العادات الاجتماعية المتوارثة جيلا بعد جيل.
وتحافظ ساكنة الإقليم، سواء في الحواضر أو القرى، على موروث ثقافي غني يعكس عمق ارتباطها بالشهر الفضيل، باعتباره مناسبة للتعبد والتراحم وتعزيز أواصر التكافل الاجتماعي. ورغم التحولات التي مست أنماط العيش خلال السنوات الأخيرة، فإن العديد من الأسر لا تزال متمسكة بعاداتها الرمضانية القديمة التي تمنح لهذا الشهر نكهة خاصة في ربوع الأطلس المتوسط.
وتتميز المائدة الرمضانية في خنيفرة بخصوصية واضحة، حيث تعتمد بشكل كبير على المنتجات المحلية والطبيعية المستمدة من خيرات الأرض. ويعد حساء “أحرير” من أبرز الأطباق التي تتصدر مائدة الإفطار، إذ يتم تحضيره من دقيق الشعير والحليب أو الأعشاب العطرية، إلى جانب أصناف تقليدية أخرى مثل “المسمن” البلدي و”بوشيار”، إضافة إلى “حرشة” الذرة أو الشعير، وطبق “سلو” المعروف محليا بـ”ثامكونث” أو “زميطا”، فضلا عن التمر والبيض البلدي والعسل والسمن الحر.
ولا تقل وجبة السحور أهمية عن الإفطار لدى ساكنة المنطقة، بالنظر إلى طبيعتها الجبلية وما تتطلبه من مجهود يومي كبير، إذ يحرص الأهالي على تناول خبز “المخمر” المشبع بالسمن أو زيت الزيتون، مرفوقا بالشاي المنعنع المحضر على الجمر، في مشهد يعكس بساطة العيش وعمق الارتباط بالعادات المحلية.
ولا تقتصر مظاهر رمضان في خنيفرة على المائدة فقط، بل تمتد إلى سلوك اجتماعي وروحي راسخ، يتجلى في صلة الرحم، وكثرة التزاور، وإحياء مجالس الذكر، وتلاوة القرآن الكريم، خاصة خلال ليلة القدر التي تحظى بمكانة خاصة لدى الأسر الأمازيغية بالمنطقة.
كما تبدأ الاستعدادات لهذا الشهر قبل حلوله بمدة، منذ شهر شعبان، من خلال تخزين المواد الأساسية التي تعرف محليا بـ”العولة”، مثل الدقيق والتمور والقطاني، إلى جانب تنظيف المنازل وتزيينها استعدادا لاستقبال رمضان في أجواء مفعمة بالفرح والرهبة.
ومن بين العادات القديمة التي ما تزال راسخة في ذاكرة المنطقة، حرص السكان في الماضي على صعود المرتفعات لمراقبة هلال رمضان بالعين المجردة، قبل إعلان ثبوت الرؤية ونقل الخبر بين الدواوير والمداشر وسط أجواء احتفالية مميزة.
وتبقى هذه الطقوس الرمضانية في خنيفرة شاهدا حيا على غنى الموروث الأمازيغي بالأطلس المتوسط، وعلى قدرة هذا التراث على الصمود في وجه التغيرات، بما يعكس تشبث الساكنة بهويتها الثقافية ووفاءها لذاكرتها الجماعية في تفاصيل الحياة اليومية.












