في أعالي جبال الأطلس الصغير، وبقلب المجال القروي لإقليم تارودانت، يبرز منحل أنزركي كواحد من أقدم وأكبر المناحل التقليدية في العالم، شاهداً على تجربة إنسانية فريدة تمزج بين الحكمة الجماعية والتدبير المستدام للموارد الطبيعية .
ويعود تاريخ هذا المنحل الجماعي إلى القرن السادس عشر، حيث دأبت الأسر المحلية بدوار أنزركي، بجماعة أركانة، على تقاسم ملكية خلايا النحل وتدبيرها وفق أعراف تضامنية متوارثة، في نموذج اجتماعي يجمع بين الأبعاد الاقتصادية والبيئية والتعاونية .
ويقع هذا المعلم في بيئة طبيعية غنية بالتنوع البيولوجي، تتميز بانتشار أشجار الأركان والنباتات العطرية والطبية مثل الزعتر والخزامى، ما يوفر ظروفاً مثالية لإنتاج عسل عالي الجودة، يُعرف بخصائصه الغذائية والعلاجية، ويستقطب اهتمام المستهلكين داخل المغرب وخارجه .
ويتميز منحل أنزركي ببنية معمارية تقليدية فريدة، حيث تتكون بناياته من الحجر والطين والخشب، موزعة على عدة طوابق وتضم آلاف الخلايا المصنوعة من القصب والمغطاة بالطين، في تصميم ذكي يضمن حماية النحل من العوامل المناخية القاسية .
ورغم أن المنحل كان يضم في أوج نشاطه أكثر من 3000 خلية، إلا أن هذا العدد عرف تراجعاً ملحوظاً خلال العقود الأخيرة، نتيجة التغيرات المناخية وتوالي سنوات الجفاف، فضلاً عن التحولات الاجتماعية والاقتصادية التي دفعت العديد من المربين إلى اعتماد أساليب عصرية أكثر إنتاجية .
وفي هذا السياق، يؤكد الفاعلون المحليون أن المنحل لا يمثل فقط مورداً اقتصادياً، بل يشكل أيضاً موروثاً حضارياً وبيئياً ذا قيمة كبيرة، إذ يساهم في توفير دخل إضافي للأسر القروية، وخلق فرص شغل مرتبطة بسلسلة إنتاج وتسويق العسل ومشتقاته .
وبعد فترة من التوقف دامت قرابة أربعة عقود، شهد منحل أنزركي منذ سنة 2012 جهوداً لإعادة إحيائه، عبر مبادرات جمعوية ومشاريع ترميم وتأهيل، خاصة بعد الأضرار التي لحقت به جراء الفيضانات في تسعينيات القرن الماضي .
وقد تُوجت هذه الجهود بتصنيفه سنة 2021 ضمن التراث الوطني، مع مساعٍ لإدراجه ضمن قائمة التراث العالمي، نظراً لقيمته التاريخية والمعمارية والبيئية .
كما أصبح المنحل اليوم وجهة سياحية متميزة، ضمن مسارات السياحة القروية بجهة سوس ماسة، خاصة عبر “طريق العسل”، حيث يستقطب الزوار الراغبين في اكتشاف تقنيات تربية النحل التقليدية وتذوق منتجات طبيعية أصيلة .
ورغم التحديات التي تواجهه، يظل منحل أنزركي نموذجاً حياً لقدرة الإنسان على التعايش مع الطبيعة واستغلال مواردها بشكل مستدام، كما يعكس إمكانيات واعدة لتثمين التراث المحلي وجعله رافعة للتنمية الاقتصادية والاجتماعية بالمناطق القروية.












