في زمن أصبحت فيه الصورة تُستهلك بسرعة، ما تزال الفنانة التشكيلية سعيدة بوهلال تؤمن بأن الفن الحقيقي هو ذاك القادر على ملامسة الروح، واستحضار ذاكرة الإنسان والمكان في آن واحد. فمن قلب المدينة القديمة، حيث تتقاطع روائح الصناعة التقليدية مع ألوان الأسواق العتيقة ونبض الحرفيين، بدأت رحلتها الفنية مبكراً، لتصنع لنفسها مساراً خاصاً داخل الساحة التشكيلية المغربية.
وتؤكد الفنانة أن علاقتها بالفن تعود إلى سنوات الطفولة، حين كانت تستلهم تفاصيل الحياة اليومية من أزقة المدينة القديمة، التي كانت قبلة لزوار وسياح من مختلف الجنسيات. هذا الاحتكاك المبكر بثقافات متعددة ساهم في صقل ذوقها الفني، وجعلها تدرك منذ سن صغيرة أن اللوحة ليست مجرد ألوان، بل لغة عالمية قادرة على تجاوز الحدود.وفي أقل من عشرين سنة، بدأت سعيدة بوهلال ترسم ملامح مسيرتها الفنية بثبات، حيث انطلقت سنة 1998 بإنجاز لوحات كاريكاتورية وأعمال بالصباغة الزيتية، قبل أن تجد أعمالها طريقها إلى مقتنين أجانب كانوا يزورون المدينة القديمة ويُبدون إعجابهم بأسلوبها الفني المختلف. وتعتبر هذه المرحلة من أهم المحطات التي منحتها الثقة للاستمرار والانفتاح على تجارب أكثر نضجاً واحترافية.

ومع بداية سنة 2000، خاضت الفنانة تجربة عرض أعمالها داخل قاعة للعرض الفني، وهي خطوة شكلت منعطفاً مهماً في مسيرتها، قبل أن تتوسع تجربتها نحو الاشتغال على الديكورات الفنية، من خلال تصميم الشلالات والنافورات الجمالية بالمقاهي والفيلات، في مزج فريد بين الحس التشكيلي والبعد المعماري والجمالي.

ولم تقتصر تجربة سعيدة بوهلال على الرسم فقط، بل اختارت أن تجعل من الفن فضاءً جامعاً بين الموسيقى والحرف التقليدية والتشكيل، معتبرة أن الإبداع كلٌّ متكامل لا يمكن فصل عناصره عن بعضها البعض. وتقول في هذا السياق إن الفن والموسيقى والحرف “أسرة واحدة، إذا اشتكى جزء منها تأثرت باقي الأجزاء”، وهي رؤية تعكس وعياً عميقاً بوحدة التعبير الإنساني مهما اختلفت وسائطه.

وشاركت الفنانة في عدد من المهرجانات والمعارض الوطنية والدولية، حيث استطاعت أن تفرض حضورها بأسلوب بصري يحمل بصمتها الخاصة، ويجمع بين الأصالة المغربية والانفتاح على القضايا الإنسانية المعاصرة. كما أن أعمالها لم تكن بعيدة عن هموم الإنسان، إذ تناولت في عدد من لوحاتها القضية الفلسطينية، إلى جانب قضايا إنسانية واجتماعية متعددة، في محاولة لتحويل الفن إلى رسالة ووسيلة للتعبير عن الألم والأمل معاً.

وترى سعيدة بوهلال أن الفنان الحقيقي لا ينبغي أن ينغلق داخل مرسمه فقط، بل عليه أن يقرأ ويطّلع على الشعر والموسيقى والفكر والفلسفة وكل أشكال الإبداع، لأن الثقافة الواسعة هي التي تمنح الفنان القدرة على التجدد والابتكار.وتوجه نصيحة إلى الفنانين الشباب بضرورة الانفتاح على مختلف المعارف، معتبرة أن اللوحة القوية تولد أولاً من عمق الفكر قبل أن تولد من ريشة الرسام.
وتبقى تجربة سعيدة بوهلال نموذجاً لفنانة صنعت مسارها بالإصرار والشغف، وحولت الفن من هواية إلى مشروع إنساني وجمالي يحمل نبض المجتمع وذاكرة المكان، في وقت أصبح فيه الإبداع الحقيقي عملة نادرة داخل عالم سريع التغير.













