أكد رئيس الهيئة الوطنية للنزاهة والوقاية من الرشوة ومحاربتها، محمد بنعليلو، اليوم الاثنين بالرباط، أن الرهان الحقيقي في مجال مكافحة الفساد يبدأ من بناء الإنسان وترسيخ منظومة القيم، قبل تطوير التشريعات أو تعزيز آليات الرقابة والزجر.
وجاء ذلك خلال افتتاح اللقاء الوطني المخصص لتقييم المرحلة الأولى من برنامج “أجيال النزاهة”، المنظم بشراكة بين الهيئة الوطنية للنزاهة والوقاية من الرشوة ومحاربتها ووزارة التربية الوطنية والتعليم الأولي والرياضة، والذي خصص لعرض حصيلة المرحلة التجريبية واستشراف شروط الانتقال إلى مرحلة التعميم والاستدامة.
وأوضح بنعليلو أن التجارب الوطنية والدولية أظهرت أن بناء مجتمعات أكثر نزاهة لا يتحقق فقط عبر السياسات العقابية، بل من خلال الاستثمار المبكر في التربية على القيم وتعزيز المناعة الأخلاقية والمدنية للأفراد، بما يمكنهم من التمييز بين السلوك المشروع وغير المشروع.
وأضاف أن النزاهة ليست مجرد قاعدة قانونية أو التزام إداري، بل ثقافة مجتمعية تتشكل داخل الأسرة والمدرسة والفضاء العام، قبل أن تنعكس على جودة المؤسسات ومستوى الثقة داخل المجتمع.
وأكد رئيس الهيئة أن انفتاح الهيئة على المدرسة المغربية يندرج ضمن رؤية استراتيجية تعتبر الوقاية من الفساد مسارا مجتمعيا طويل الأمد، يقوم على بناء الوعي والسلوك قبل اللجوء إلى آليات الزجر والمساءلة.
وفي هذا السياق، أبرز أن برنامج “أجيال النزاهة” يعتمد رؤية تربوية تفاعلية تهدف إلى تحويل النزاهة من قيمة مجردة إلى ممارسة يومية وسلوك مدني ينعكس في علاقة التلميذ بمحيطه المدرسي والاجتماعي.
وأشار بنعليلو إلى أن المرحلة الأولى من البرنامج شملت 56 مؤسسة تعليمية موزعة على ثلاث أكاديميات جهوية للتربية والتكوين، واستفاد منها ما يقارب ألفي تلميذة وتلميذ، إلى جانب 432 من الأطر التربوية والإدارية.
وأكد أن نتائج التقييم أظهرت مستويات مرتفعة من التفاعل والرضى لدى المتعلمين والأطر التربوية، بما يعكس أهمية هذا التوجه في تعزيز التربية على القيم داخل المنظومة التعليمية.
وسجل أن الانتقال من مرحلة التجريب إلى مرحلة التعميم يطرح رهانات جديدة، تتعلق بالحفاظ على جودة التنزيل، وضمان تماسك النموذج البيداغوجي، وتأهيل الموارد البشرية، وتأمين شروط الاستمرارية المؤسساتية.
وشدد بنعليلو على أن النزاهة ليست مسؤولية مؤسسة بعينها، بل مسؤولية جماعية تتكامل فيها أدوار مختلف الفاعلين العموميين والتربويين والمدنيين، معتبرا أن التحدي اليوم يتمثل في بناء تحالف مجتمعي واسع يجعل من النزاهة ثقافة يومية وسلوكا اجتماعيا راسخا.
ودعا إلى مواصلة تطوير هذه المبادرة المشتركة، بما يمكن من تحويلها إلى رافعة وطنية مستدامة للإسهام في بناء أجيال جديدة متشبعة بقيم المسؤولية والشفافية والاستحقاق.
وخلص رئيس الهيئة إلى أن الرهان يتجاوز حدود برنامج تربوي أو مشروع مؤسساتي، ليطال صورة المغرب كما أراده صاحب الجلالة الملك محمد السادس، مغرب تصان فيه الثقة باعتبارها رأسمالا جماعيا، وتمارس فيه المواطنة المسؤولة، وتتحول فيه النزاهة إلى ممارسة يومية داخل الإدارة والمقاولة والفضاء العام.












