أفاد البنك الدولي بأن الاقتصاد المغربي حقق خلال سنة 2025 أقوى وتيرة نمو له منذ أكثر من عقد، مدفوعا بتسارع الاستثمارات العمومية في مشاريع البنية التحتية وانتعاش النشاط الفلاحي، في مقابل استمرار تحديات مرتبطة بسوق الشغل والإنتاجية والجفاف والتوترات الجيوسياسية.
وأوضح البنك، في تقريره الجديد حول الوضع الاقتصادي بالمغرب لصيف 2026، المعنون بـ“ترسيخ النمو.. التحول الرقمي دفعة للإنتاجية”، أن الناتج الداخلي الإجمالي الحقيقي نما بنسبة 4.9 في المائة خلال 2025، مقابل 4.4 في المائة سنة 2024.
وأشار التقرير إلى أن هذا الأداء يعد الأفضل للمغرب خلال نحو عشر سنوات، باستثناء الارتفاع الاستثنائي الذي أعقب جائحة كورونا.
وعزا البنك الدولي هذا التسارع أساسا إلى ارتفاع حجم الاستثمارات العمومية المرتبطة بمشاريع البنية التحتية والتحضيرات الجارية لتنظيم كأس العالم 2030، إلى جانب بداية تعافي القطاع الفلاحي بعد سنوات متتالية من الجفاف، واستمرار قوة الطلب الداخلي.
وتتطابق تقديرات البنك مع الحسابات الوطنية المؤقتة للمندوبية السامية للتخطيط، التي سجلت بدورها نموا بنسبة 4.9 في المائة خلال 2025، مع ارتفاع القيمة المضافة للأنشطة الفلاحية بنسبة 8.2 في المائة، مقابل نمو الأنشطة غير الفلاحية بنسبة 3.9 في المائة.
غير أن الأداء لم يكن متجانسا داخل مختلف مكونات القطاع الأولي، إذ سجل نشاط الصيد البحري انكماشا بنسبة 13 في المائة.
وتزامن تحسن النشاط الاقتصادي مع تراجع معدل التضخم إلى 0.8 في المائة، ما ساهم في تخفيف جزء من الضغوط التي واجهتها الأسر والمقاولات خلال السنوات الماضية.
كما تقلص عجز الميزانية إلى 3.5 في المائة من الناتج الداخلي الإجمالي، بالتوازي مع استعادة المغرب تصنيفه السيادي ضمن درجة الاستثمار لدى وكالة “ستاندرد آند بورز”.
سوق الشغل يظل تحديا
ورغم المؤشرات الإيجابية، أبدى البنك الدولي حذرا بشأن تطورات سوق الشغل، مشيرا إلى أن المقياس الواسع لنقص استخدام اليد العاملة بلغ 22.5 في المائة.
ويعكس هذا المؤشر، بحسب التقرير، استمرار وجود شريحة مهمة من السكان القادرين على العمل دون توظيف كامل لقدراتهم، إلى جانب استمرار ضعف مشاركة النساء في سوق الشغل.
كما أشار البنك إلى أن النمو الاقتصادي لم يتحول بعد بالسرعة الكافية إلى فرص شغل منتجة ومستدامة، وهو ما يبرز استمرار اختلالات هيكلية داخل سوق العمل.
تباطؤ متوقع في 2026
وتوقع البنك الدولي أن تتراجع وتيرة النمو إلى 4.2 في المائة خلال سنة 2026، مع بقائها في مستوى وصفه بالقوي، بدعم من استمرار الاستثمار والطلب الداخلي.
وقدر أن تداعيات الصراع في الشرق الأوسط، خاصة من خلال ارتفاع فاتورة واردات الطاقة وزيادة تكاليف الشحن، قد تقتطع نحو 0.8 نقطة مئوية من النمو الذي كان من الممكن تحقيقه في ظروف خارجية أكثر استقرارا.
وتظل توقعات البنك أقل من تقديرات المندوبية السامية للتخطيط، التي ترجح نموا بنسبة 4.8 في المائة خلال 2026، مستفيدا من ارتفاع متوقع للقيمة المضافة الفلاحية بنسبة 19.1 في المائة.
ويرتبط الفرق بين التقديرين باختلاف الفرضيات المتعلقة بقوة الانتعاش الفلاحي وحجم تأثير التوترات الخارجية وتكاليف الطاقة والنقل.
وتظهر أحدث الحسابات الفصلية استمرار الزخم الاقتصادي، إذ نما الناتج الداخلي الإجمالي بنسبة 4.6 في المائة خلال الربع الأول من 2026، مقابل 5 في المائة خلال الفترة نفسها من سنة 2025.
وارتفعت القيمة المضافة الفلاحية بنسبة 18.4 في المائة، بينما تباطأ نمو الأنشطة غير الفلاحية إلى 2.6 في المائة، ما يعكس تزايد تأثير الموسم الزراعي في الأداء الاقتصادي الإجمالي.
الجفاف والطاقة من أبرز المخاطر
وحذر البنك الدولي من أن تكرار موجات الجفاف يظل من أبرز المخاطر التي قد تؤثر على الإنتاج الفلاحي والقطاعات المستهلكة للمياه.
كما أشار إلى حساسية الاقتصاد المغربي تجاه وتيرة التعافي لدى الشركاء التجاريين الأوروبيين، إلى جانب تقلب أسعار الطاقة والنقل في الأسواق الدولية.
الرقمنة رافعة للإنتاجية
وخصص التقرير حيزا مهما للتحول الرقمي، معتبرا إياه أحد أبرز المحركات المحتملة للنمو خلال المرحلة المقبلة.
وأشار البنك إلى أن أقل من مقاولة مغربية واحدة من كل خمس تعتمد بصورة مكثفة ومندمجة على تقنيات متقدمة، من بينها برامج تدبير المقاولات وأنظمة إدارة علاقات الزبناء وحلول التجارة الإلكترونية.
وبحسب تقديرات المؤسسة الدولية، تحقق المقاولات الأكثر اعتمادا على الأدوات الرقمية مكاسب في الإنتاجية قد تصل إلى 70 في المائة، فيما ترتفع قدرتها على خلق فرص العمل بوتيرة أسرع بنحو 10 في المائة.
كما تؤدي هذه المقاولات أجورا أعلى بمتوسط يقارب 27 في المائة مقارنة بالمقاولات الأقل اعتمادا على الرقمنة.
ويرى البنك الدولي أن تقليص الفجوة الرقمية بين المغرب واقتصادات مماثلة قد يؤدي إلى رفع الإنتاجية الإجمالية بما يتراوح بين 10 و15 في المائة.
وفي هذا السياق، أكد أحمدو مصطفى ندياي، مدير قسم المغرب العربي ومالطا في البنك الدولي، أن الزخم الذي يعرفه الاقتصاد المغربي حقيقي، لكنه يحتاج إلى مصادر جديدة لتعزيز الإنتاجية وضمان استدامة النمو وشموليته.
وشدد على أن تعميم استخدام التقنيات الرقمية داخل النسيج المقاولاتي يمثل أحد أبرز الخيارات المتاحة أمام المغرب لتعزيز التنافسية وتحسين الإنتاجية وخلق فرص عمل أكثر جودة.












