يواجه القطاع العقاري بالمغرب تحديات متزايدة في ظل الارتفاع المستمر لتكاليف البناء وتراجع القدرة الشرائية للأسر، وهو ما يضع المنعشين العقاريين أمام صعوبات متنامية في الحفاظ على توازناتهم المالية، بالتزامن مع تباطؤ تسويق عدد من الوحدات السكنية وارتفاع تكاليف التمويل والضرائب.وتفاقمت هذه الوضعية بفعل الزيادات المسجلة في أسعار مواد البناء خلال السنوات الأخيرة، إذ ارتفعت أسعار عدد منها بنسب تراوحت بين 30 و50 في المائة منذ سنة 2019، فيما تضاعف سعر الآجر، الذي انتقل من 1,20 درهم إلى 2,40 درهم للوحدة. كما شهد حديد التسليح ارتفاعات ملحوظة، بعدما انتقل سعر الكيلوغرام منه من 6,20 دراهم إلى 14 درهما خلال ذروة موجة الغلاء، قبل أن يتراجع إلى حوالي 10 دراهم.ولم تقتصر الزيادات على مواد البناء، بل امتدت إلى العقار الخام، خصوصا في المدن الكبرى، حيث ارتفعت أسعار الأراضي المخصصة للتعمير بشكل ملحوظ. وفي الدار البيضاء والرباط، تجاوزت أسعار بعض البقع الأرضية الموجهة لبناء الفيلات 10 ملايين درهم، ما زاد من صعوبة إطلاق مشاريع جديدة، خاصة في ظل ارتفاع تكاليف التهيئة والربط بالشبكات الأساسية والدراسات التقنية والهندسية.كما ساهمت الأعباء الجبائية وتكاليف الاقتراض وطول المساطر الإدارية في زيادة الضغط على المقاولات العقارية، إذ يؤدي تأخر الحصول على التراخيص إلى تجميد رؤوس الأموال لفترات أطول، مع استمرار تحمل مصاريف التمويل والالتزامات المرتبطة بالمشاريع.ارتفاع النفقات يقلص هوامش الربحأصبحت الزيادات المتتالية في تكاليف الإنتاج عاملا مؤثرا في حسابات المنعشين العقاريين، خصوصا أن الميزانيات المحددة عند انطلاق المشاريع لم تعد تعكس بالضرورة الكلفة النهائية للإنجاز. وتفرض هذه الوضعية مراجعة مستمرة للتقديرات المالية، في وقت يصعب فيه رفع أسعار البيع بالوتيرة نفسها التي ترتفع بها تكاليف البناء.وارتفعت أسعار الألومنيوم بنحو 50 في المائة منذ سنة 2019، مقابل 20 في المائة بالنسبة إلى البلاط، فيما بلغ سعر طن الإسمنت حوالي 1600 درهم، وفق معطيات مهنية، مقابل أسعار تتراوح بين 700 و800 درهم في بعض الأسواق، من بينها مصر وتركيا.وتؤدي هذه الزيادات، إلى جانب ارتفاع أجور اليد العاملة ومصاريف التمويل والضرائب، إلى تقليص هامش الربح الذي تعول عليه الشركات العقارية عند إطلاق مشاريعها. وتزداد حدة هذه الإكراهات بالنسبة إلى المشاريع الموجهة للسكن الاقتصادي والمتوسط، بالنظر إلى محدودية الأسعار التي تستطيع الفئات المستهدفة تحملها.ويجد المنعشون أنفسهم أمام معادلة صعبة، تتمثل في ضرورة تغطية تكاليف الإنتاج المتزايدة دون تحميل المشترين زيادات إضافية قد تؤدي إلى إطالة مدة تسويق الشقق. كما تزداد الصعوبات بالنسبة إلى المشاريع التي سبق تحديد أسعار وحداتها أو بيع جزء منها، إذ يصبح تعديل الأسعار لمواكبة التكاليف الجديدة أكثر تعقيدا.وتشكل الضرائب المفروضة على الأراضي الحضرية غير المبنية عاملا إضافيا في ارتفاع الأعباء، خصوصا بالنسبة إلى العقارات التي تنتظر استكمال التراخيص أو انطلاق الأشغال. وتتراوح تعريفة الرسم على هذه الأراضي، وفق المعطيات المرتبطة بالإطار القانوني الجديد، بين 15 و30 درهما للمتر المربع في المناطق المجهزة، فيما اعتمدت جماعة الدار البيضاء سقف 30 درهما للمتر المربع بالنسبة إلى الأراضي المعنية.ويرى مهنيون أن استمرار هذه الضغوط قد يدفع بعض المستثمرين إلى تأجيل مشاريع جديدة أو تقليص حجم استثماراتهم، ما يطرح الحاجة إلى تسريع المساطر الإدارية، وتحسين شروط تعبئة العقار، ومراجعة بعض الأعباء التي تؤثر على الكلفة النهائية للمساكن.تذبذب المعاملات يعكس هشاشة السوقبالتوازي مع ارتفاع تكاليف الإنتاج، يواجه السوق العقاري تقلبات في حجم المعاملات، تعكس استمرار الصعوبات المرتبطة بالطلب والقدرة على الاقتناء. فقد سجل عدد المعاملات تراجعا بنسبة 40,2 في المائة خلال الفصل الأول من سنة 2026 مقارنة بالفصل الأخير من سنة 2025، كما انخفض بنسبة 9,3 في المائة على أساس سنوي.وشمل التراجع مختلف أصناف العقارات، إذ انخفضت معاملات العقارات السكنية بنسبة 38,4 في المائة، والأراضي بنسبة 45,9 في المائة، والعقارات المهنية بنسبة 40,2 في المائة. وعلى المستوى الجغرافي، بلغت نسبة التراجع 55,4 في المائة بالرباط، و53,3 في المائة بمراكش، و37,8 في المائة بالدار البيضاء، و36,4 في المائة بطنجة.غير أن السوق سجلت تحسنا نسبيا خلال الفصل الثاني من السنة نفسها، بعدما ارتفع عدد المعاملات بنسبة 11 في المائة مقارنة بالفصل السابق، مدفوعا بارتفاع معاملات العقارات السكنية بنسبة 6,3 في المائة، والأراضي بنسبة 21,8 في المائة، والعقارات المهنية بنسبة 23,5 في المائة.وعلى أساس سنوي، ارتفعت المعاملات بنسبة 6,3 في المائة، فيما سجلت أسعار العقارات السكنية زيادة محدودة، ما يشير إلى تحسن نسبي في النشاط دون أن يعني بالضرورة تجاوز الصعوبات الهيكلية التي تواجه القطاع.وسجلت الرباط أقوى ارتفاع فصلي في عدد المعاملات بنسبة 61,2 في المائة، تلتها مراكش بنسبة 18,3 في المائة، ثم طنجة بنسبة 11,5 في المائة، في حين لم تتجاوز الزيادة بالدار البيضاء 4,4 في المائة، مع استمرار تراجع معاملات العقارات السكنية بالمدينة بنسبة 2,2 في المائة.وتبرز هذه المؤشرات أن تحسن النشاط خلال بعض الفترات لا يكفي وحده للحكم على عودة الانتعاش إلى السوق، خصوصا أن المعاملات تشمل العقارات الجديدة والقديمة والأراضي، بينما تواجه بعض المشاريع السكنية صعوبات في تصريف مخزونها، الأمر الذي يؤثر على السيولة المالية للشركات وقدرتها على الوفاء بالتزاماتها.القدرة الشرائية تحد من انتعاش المبيعاتيظل ضعف القدرة الشرائية للأسر أحد أبرز العوامل التي تحد من دينامية السوق العقارية، إذ لم يعد الطلب مرتبطا فقط برغبة المواطنين في امتلاك السكن، بل أصبح يتوقف بدرجة كبيرة على قدرتهم على توفير المساهمة الأولية والحصول على التمويل البنكي وتحمل الأقساط الشهرية.وتزداد هذه الصعوبات في ظل استمرار تكاليف المعيشة المرتفعة، التي تحد من قدرة عدد من الأسر على الادخار، بينما تدفع أسعار العقارات في المدن الكبرى شريحة واسعة من المواطنين إلى تأجيل قرار الشراء أو البحث عن مساكن خارج المراكز الحضرية.ورغم إبقاء بنك المغرب سعر الفائدة الرئيسي عند 2,25 في المائة خلال اجتماعه المنعقد في 22 شتنبر 2026، فإن تكلفة الاقتراض العقاري لا تزال تمثل عبئا على الراغبين في التملك. وبلغ متوسط سعر الفائدة على القروض العقارية 5,06 في المائة خلال الفصل الثاني من السنة، مقابل 5,13 في المائة خلال الفصل الأول، فيما تراجع سعر الفائدة على قروض السكن الممنوحة للأفراد من 4,66 إلى 4,53 في المائة.وبلغ إجمالي القروض العقارية حوالي 330 مليار درهم عند متم غشت 2026، بارتفاع سنوي نسبته 3,9 في المائة، من بينها نحو 259 مليار درهم مخصصة لقروض السكن التقليدية. وفي المقابل، سجلت قروض الإنعاش العقاري نموا بنسبة 11,8 في المائة، مقابل زيادة لم تتجاوز 2,3 في المائة في قروض السكن الموجهة للأسر.كما ارتفع التمويل التشاركي المخصص للسكن إلى 32,3 مليار درهم، مقارنة بـ27,7 مليار درهم قبل سنة، مسجلا نموا بنسبة 16,3 في المائة.وتعكس هذه الأرقام استمرار الطلب على التمويل العقاري، لكنها تبرز في الوقت نفسه تفاوتا بين تطور التمويل الموجه إلى الاستثمار العقاري ونمو القروض المخصصة للأسر، التي تظل قدرتها على الاقتراض مرتبطة بمستوى الدخل وشروط البنوك وأسعار المساكن.دعم السكن ينعش الطلب بشروطساهم برنامج الدعم المباشر للسكن في تحفيز الطلب لدى فئات من المواطنين، إذ أظهرت الحصيلة الحكومية المعلنة في يونيو 2026 استفادة أكثر من 105 آلاف شخص من البرنامج، مقابل تسجيل 218 ألف طلب.واقتنى 60 في المائة من المستفيدين مساكن تقل قيمتها عن 300 ألف درهم، فيما استفادت نسبة مماثلة من دعم مالي بقيمة 70 ألف درهم. وشكل الشباب الذين تقل أعمارهم عن 40 سنة حوالي 52 في المائة من مجموع المستفيدين، مقابل 40 في المائة للنساء و24 في المائة للمغاربة المقيمين بالخارج.وتبرز هذه المعطيات أهمية الدعم في تسهيل الولوج إلى السكن بالنسبة إلى فئات من المجتمع، غير أن أثره يظل مرتبطا بمدى توفر مساكن تستجيب لشروط البرنامج وتتناسب أسعارها مع الإمكانيات المالية للمستفيدين.كما أن ارتفاع تكاليف البناء قد يحد من قدرة المنعشين على توفير وحدات سكنية بأسعار ملائمة، خصوصا في المناطق التي تعرف ارتفاعا في أسعار الأراضي وتكاليف التعمير، وهو ما يجعل معالجة إشكالية العرض ضرورية لضمان استمرارية أثر الدعم.ويرتبط إنعاش السوق، بالتالي، بضرورة تحقيق التوازن بين تحفيز الطلب وتوفير عرض كاف من المساكن، مع الحد من ارتفاع تكاليف الإنتاج وتحسين شروط التمويل، بما يضمن استفادة الأسر من البرامج الموجهة لتيسير التملك دون زيادة الضغوط على أسعار العقارات.مؤشرات البناء تكشف تفاوت النشاطتعكس أرقام استهلاك الإسمنت بدورها تفاوتا في وتيرة النشاط داخل قطاع البناء، إذ بلغت التسليمات خلال شتنبر 2026 حوالي 1,46 مليون طن، بزيادة سنوية قدرها 19,31 في المائة. ووصل الحجم التراكمي خلال الأشهر التسعة الأولى من السنة إلى نحو 10,99 ملايين طن، بارتفاع محدود بلغ 1,17 في المائة.وسجلت تسليمات الإسمنت الموجهة للتوزيع تراجعا بنسبة 2,75 في المائة، لتستقر عند 5,79 ملايين طن، كما انخفضت التسليمات المرتبطة بالخرسانة مسبقة الصنع بنسبة 7,21 في المائة.في المقابل، ارتفعت التسليمات الموجهة إلى الخرسانة الجاهزة بنسبة 8,62 في المائة، لتبلغ 2,95 مليون طن، فيما سجلت البنيات التحتية زيادة بنسبة 19,49 في المائة، بحجم وصل إلى 842.520 طنا.وتشير هذه الأرقام إلى أن نمو استهلاك الإسمنت لا يعكس بالضرورة انتعاشا مماثلا في البناء السكني، بالنظر إلى مساهمة مشاريع البنيات التحتية والأوراش الكبرى في الطلب الإجمالي على مواد البناء.وفي ظل هذه المعطيات، يظل مستقبل السوق العقارية مرتبطا بقدرة مختلف المتدخلين على معالجة الاختلالات التي تراكمت خلال السنوات الأخيرة، من خلال تحسين الولوج إلى العقار، وتسريع منح التراخيص، وتخفيف الأعباء غير الضرورية، إلى جانب توفير حلول تمويلية تتناسب مع دخل الأسر.كما تبرز الحاجة إلى توسيع العرض السكني الملائم للقدرة الشرائية، خصوصا في الفئات الاقتصادية والمتوسطة، بما يسمح بتقليص الفجوة بين أسعار البيع ومداخيل المواطنين، ويمنح المقاولات العقارية في الوقت نفسه ظروفا أكثر استقرارا لإنجاز المشاريع وتسويقها.وبين ارتفاع تكاليف الإنتاج وتذبذب المعاملات ومحدودية القدرة الشرائية، يواجه القطاع العقاري بالمغرب اختبارا حقيقيا لاستعادة التوازن بين مصالح المستثمرين واحتياجات الأسر، في سوق لم تعد فيها زيادة الطلب وحدها كافية لضمان الانتعاش، ما لم تواكبها إجراءات عملية لتيسير اقتناء السكن وتحسين شروط الاستثمار.
الأحد, أكتوبر 18, 2026
آخر المستجدات :
- ارتفاع تكاليف البناء يربك سوق العقار بالمغرب
- الموانئ الكبرى وشركات الشحن.. من يتحكم في التجارة العالمية؟
- دراسة.. الرياضة تعزز قدرة العضلات على مقاومة الشيخوخة
- المحروقات و«سامير».. اختبارات صعبة أمام الحكومة الجديدة
- إعصاران قويان يضربان المحيط الهادئ ويهددان المكسيك وجوام
- الرقمنة واللاتمركز الإداري.. رافعتان لتحقيق التنمية الترابية والعدالة المجالية
- خبير روسي.. الحليب والسكر ينهيان الصيام والشاي غير المحلى لا يؤثر فيه بالضرورة
- أسا الزاك تحتضن برنامجاً تكوينياً لتعزيز كفاءات الفاعلين في المبادرة الوطنية للتنمية البشرية












