متابعة : خالد علواني
في مبادرة نوعية تعكس وعيا متجددا بأهمية التنمية الترابية، احتضنت مدينة خنيفرة، يوم السبت 21 يونيو 2025، أشغال يوم دراسي حول التنمية المستدامة الجهوية والمحلية، من تنظيم جمعية “أميافا للتنمية المستدامة لقدماء خريجي ثانوية طارق بن زياد بأزرو”، بشراكة مع المجلس الإقليمي لخنيفرة، وبمشاركة وازنة لعامل الإقليم، ورئيس المجلس الإقليمي، وعدد من المنتخبين والمسؤولين الإداريين والسلطات المحلية، إلى جانب فاعلين جمعويين وخبراء وأكاديميين.

افتتح اللقاء بكلمة للأستاذ إدريس مسكي، رئيس الجمعية، الذي أكد على أهمية إشراك الفاعلين المحليين في مسار التنمية المستدامة، مشددا على أن التنمية الحقيقية تبدأ من القرب، ومن فهم خصوصيات كل منطقة على حدة. واعتبر أن إقليم خنيفرة يتوفر على إمكانيات طبيعية مهمة من غابات ومياه وقطاع زراعي غني، لكنها بحاجة إلى استثمار رشيد ومشاريع مدروسة تدمج الإنسان في صلب التنمية. واقترح مجموعة من المداخل لتفعيل التنمية المستدامة بالإقليم، منها تطوير السياحة الإيكولوجية، تحسين البنية التحتية، النهوض بالاقتصاد الاجتماعي، وتفعيل برامج التربية البيئية والتكوين في مجال الطاقات المتجددة.

الخبير في الاقتصاد القروي والتنمية المستدامة، المهندس الحبيب بن الصحراوي، قدّم بدوره عرضًا تحليليًا تناول فيه تطور مفهوم التنمية المستدامة على الصعيد الدولي، من قمة ستوكهولم سنة 1972 إلى أجندة 2030، مؤكدا أن جزءا كبيرا من أهداف التنمية الأممية لا يمكن تحقيقه إلا من خلال الفعل المحلي والجهوي. وأبرز أن المغرب، بفضل ورش الجهوية المتقدمة، يمتلك أدوات مهمة لتفعيل هذه الأهداف شريطة تجاوز معيقات التمويل وضعف التنسيق وتعزيز قدرات الفاعلين المحليين. كما دعا إلى تبني مقاربات مندمجة وشاملة تعطي الأولوية لمشاركة المواطن وتوحيد الجهود في إطار حكامة شفافة.
إدريس مسكي عاد في مداخلة ثانية ليتوقف عند مسار الجهوية المتقدمة بالمغرب، مستعرضا تطوراتها من مجرد فكرة دستورية سنة 1971 إلى ورش مهيكل مع دستور 2011. وأوضح أن التقدم المسجل على مستوى التنظيم المؤسساتي للجهات ما يزال يعاني من بطء نقل الاختصاصات، وضعف التمويل الذاتي، وتأخر صدور بعض المراسيم التطبيقية، وهو ما يستدعي إصلاحات عاجلة لتجاوز هذه الإكراهات وتمكين الجهات من أداء أدوارها كاملة في التنمية الترابية.
في مداخلة نقدية عميقة، قدم الدكتور محمد ياسين، رئيس مؤسسة أجدير الأطلس، تشخيصا دقيقا لواقع جهة بني ملال خنيفرة، مركزا على المفارقة الصارخة بين الغنى الطبيعي والتهميش الاجتماعي والاقتصادي، خاصة في المناطق الجبلية بإقليم خنيفرة. وأكد أن المنطقة تعاني من ارتفاع معدلات البطالة، انتشار الفقر، ضعف البنيات التحتية، وغياب الربط الطرقي، وهي عوامل تكرس الفوارق المجالية وتحد من فرص التنمية. ودعا إلى اعتماد تخطيط ترابي مندمج ينطلق من تشخيص واقعي ويشرك الفاعلين المحليين ويستثمر الموروث الثقافي والبيئي كركائز للتنمية المستدامة.
الأستاذة زينب بنرحمون، خبيرة في الحوكمة البيئية، سلطت الضوء على أهمية تجاوز المقاربات التقنية البحتة في مشاريع التنمية، مبرزة أن الثقافة ليست عنصرا هامشيا، بل رافعة أساسية لأي مشروع تنموي. ودعت إلى دمج التنمية المحلية ضمن السياسات القطاعية الوطنية، مع إيلاء أهمية خاصة لتحقيق العدالة المجالية، تحسين تدبير الموارد الطبيعية، تعزيز السيادة الغذائية، وتثمين التنوع الثقافي كمدخل للحكامة الجهوية الناجعة. وشددت على أن العلاقة بين المجالين القروي والحضري يجب أن تبنى على التكامل لا التنافر، مع التركيز على مشاريع مرنة تتكيف مع التغيرات المناخية وتستثمر في الإنسان باعتباره محور التنمية.
وقد تميز هذا اليوم الدراسي بنقاش مفتوح وتفاعلي بين الحضور، حيث عبر المشاركون عن آرائهم واقتراحاتهم التي همت سبل تعزيز التنمية المستدامة على المستوى المحلي والجهوي، مع التأكيد على أهمية التشارك والتنسيق بين مختلف الفاعلين. كما عبر الحضور عن استعدادهم للانخراط في دينامية التنمية، وتمت تلاوة برقية ولاء وإخلاص مرفوعة إلى صاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله وأيده، جدد فيها المشاركون تأكيدهم على تجندهم الدائم وراء جلالته.
في ختام اللقاء، قام المشاركون بزيارة ميدانية لعدد من المواقع السياحية الطبيعية التي يزخر بها إقليم خنيفرة، كغابات الأرز وبحيرة أكلمام أزكزا وموقع أروكو، حيث أتيحت لهم فرصة الوقوف عن قرب على الإمكانيات البيئية والسياحية التي تؤهل الإقليم ليكون نموذجا وطنيا في التنمية المستدامة. وقد شكل هذا الحدث العلمي محطة هامة لترسيخ ثقافة العمل التشاركي والتخطيط المندمج الذي يراهن على الإنسان والبيئة والثقافة كدعائم أساسية لبناء تنمية عادلة ومستدامة.












