متابعة : محمد امزيان لغريب
يعود اسم عزيز أخنوش إلى واجهة النقاش العمومي، ليس من زاوية المبادرة السياسية، بل من باب الحديث المتزايد عن عدم ترشحه لولاية حكومية ثانية، وهو نقاش يتجاوز الأشخاص ليضع حصيلة مرحلة كاملة تحت مجهر التقييم السياسي والأخلاقي. فحين يلوّح فاعل سياسي من هذا الحجم بالانسحاب أو الاعتزال، فإن السؤال لا ينصب فقط على دوافع القرار، بل على ما الذي يتركه وراءه من نتائج، وما الذي يجب أن يُناقش ويُحاسب قبل طي الصفحة.
ارتبط المسار السياسي لأخنوش، بشكل وثيق، بمخطط “المغرب الأخضر”، الذي قُدِّم منذ إطلاقه سنة 2008 باعتباره رافعة استراتيجية للتنمية الفلاحية ومحركًا للنمو القروي. غير أن مرور أكثر من عقد ونصف على هذا المخطط، مع ضخ استثمارات عمومية وخاصة بمليارات الدرهم، أظهر مفارقة واضحة بين الأرقام المعلنة والواقع الاجتماعي. فرغم ارتفاع الصادرات الفلاحية وتحسن بعض المؤشرات الإنتاجية، ظل المغرب يعاني هشاشة أمنه الغذائي، إذ استمرت واردات الحبوب في مستويات مرتفعة تجاوزت في بعض السنوات 6 ملايين طن، كما بقي صغار الفلاحين، الذين يشكلون غالبية الفاعلين في القطاع، خارج دائرة الاستفادة الفعلية من الدعم العمومي، وفق ما أكدته تقارير رسمية متعددة.
هذا الاختلال البنيوي في النموذج الفلاحي انعكس، بشكل غير مباشر، على الواقع المعيشي للمغاربة خلال السنوات الأخيرة. فمع تولي أخنوش رئاسة الحكومة، شهدت البلاد موجة تضخم غير مسبوقة منذ عقود، حيث انتقل معدل التضخم من أقل من 1 في المائة قبل 2021 إلى مستويات قاربت وتجاوزت 6 في المائة خلال 2022 و2023. وارتفعت أسعار المواد الغذائية الأساسية بنسب فاقت 20 في المائة في بعض الحالات، بينما لم تشهد الأجور تحسنًا يعادل هذا الارتفاع، ما أدى إلى تآكل القدرة الشرائية واتساع الإحساس بعدم الإنصاف الاجتماعي.
ويبرز ملف المحروقات كأحد أكثر النقاط حساسية في تقييم هذه المرحلة. فقد تضاعف تقريبًا سعر الغازوال مقارنة بما كان عليه قبل سنوات قليلة، منتقلاً من حوالي 7 دراهم للتر إلى أكثر من 14 درهمًا في فترات متعددة، في ظل سوق محررة تعاني ضعف المنافسة. هذا الارتفاع لم يكن مجرد رقم تقني، بل كان عاملًا مباشرًا في زيادة كلفة النقل والإنتاج، وبالتالي في تعميم الغلاء. وقد غذّى هذا الوضع نقاشًا حادًا حول تضارب المصالح، خاصة مع استمرار ارتباط رئيس الحكومة بقطاع الطاقة، وهو نقاش لم تفلح الخطابات الرسمية في تبديده بشكل مقنع لدى فئات واسعة من الرأي العام.
في ظل هذا السياق، يبدو الحديث عن عدم الترشح لولاية ثانية أو عن اعتزال العمل السياسي انعكاسًا لحالة إنهاك سياسي واجتماعي أكثر منه خيارًا معزولًا. فمعدلات البطالة، التي تجاوزت 12 في المائة وبلغت أكثر من 30 في المائة في صفوف الشباب، وتراجع الثقة في الوعود الانتخابية المتعلقة بتحسين أوضاع الطبقة الوسطى، كلها مؤشرات على فجوة متزايدة بين الخطاب الحكومي وانتظارات المجتمع. وهي فجوة تجعل أي استمرار سياسي محفوفًا بكلفة رمزية مرتفعة.
غير أن الإشكال الأعمق لا يكمن في مغادرة الفاعل السياسي للمشهد من عدمها، بل في سؤال المحاسبة الذي يسبق المغادرة. فربط المسؤولية بالمحاسبة ليس شعارًا سياسويًا، بل مبدأ دستوري يقتضي تقييم السياسات العمومية على أساس نتائجها الفعلية، لا نواياها المعلنة. والمحاسبة هنا لا تعني الإدانة المسبقة، بقدر ما تعني فتح نقاش شفاف حول تدبير القطاعات الاستراتيجية، وعلى رأسها الفلاحة والطاقة والقدرة الشرائية، ضمانًا لعدم إعادة إنتاج نفس الاختلالات.
سواء اختار عزيز أخنوش الاستمرار أو الاعتزال، فإن المرحلة التي ارتبطت باسمه ستظل علامة فارقة في النقاش العمومي المغربي، لأنها جسّدت بوضوح حدود النمو القائم على الأرقام المجردة حين لا يترجم إلى تحسن ملموس في حياة المواطنين. وهي مرحلة تفرض، اليوم أكثر من أي وقت مضى، نقاشًا هادئًا ومسؤولًا حول معنى النجاح والفشل في السياسات العمومية، وحول من يغادر المشهد، لكن أيضًا حول ما الذي يجب ألا يغادر الذاكرة الجماعية.












