في سياق يتسم بتزايد النقاش العمومي حول حكامة المؤسسات السجنية ومسؤولية القائمين عليها، يبرز اسم خالد بنتركي باعتباره نموذجا لمسار مهني يستحق التوقف عنده من زاوية التحقيق الصحفي الاستقصائي القائم على التحقق والتقاطع وتجنب الأحكام المسبقة. فالرجل الذي شغل سابقا مهام مدير مؤسسة سجنية، قبل أن ينتقل إلى فضاء التعليم العالي أستاذا للقانون، يطرح حالة خاصة تثير أسئلة حول العلاقة بين الممارسة الإدارية الصارمة والمعرفة الأكاديمية، وحول مدى انسجام الخطاب القانوني مع واقع التدبير اليومي داخل مؤسسات معقدة وحساسة.
التحقيق في تجربة بنتركي لا ينطلق من التمجيد ولا من الاتهام، بل من تتبع مسار مهني يتقاطع فيه العمل الميداني مع المرجعية القانونية. خلال فترة تحمله لمسؤولية إدارة السجن، تشير معطيات متقاطعة من داخل القطاع إلى أن نمط التدبير الذي اعتمده كان قائما على احترام النصوص القانونية المؤطرة للعمل السجني، مع تشديد واضح على الانضباط الإداري وتحديد المسؤوليات. هذا التوجه انعكس، حسب شهادات مهنية متداولة في الوسط الإداري، في انتظام العمل اليومي، وتقليص منطق الارتجال، واعتماد آليات تنظيمية واضحة في التعامل مع الموظفين والنزلاء على حد سواء.
وفي هذا السياق، تفيد إفادات مهنية متداولة داخل الأوساط السجنية بأن صدى اسم خالد بنتركي كان معروفا داخل مختلف المؤسسات السجنية، حيث ارتبط بالانضباط والنزاهة والاستقامة في تحمل المسؤولية. وهي صورة لم تُبن على حضور إعلامي أو خطاب تبريري، بل على ممارسة إدارية وُصفت بأنها خالية من الدسم، أي بعيدة عن الامتيازات والمصالح الشخصية، ومحصورة في الالتزام الصارم بالقانون والمساطر التنظيمية.
ويُظهر التتبع أن إدارة بنتركي للمؤسسة السجنية لم تكن معزولة عن النقاشات الوطنية والدولية المرتبطة بحقوق الإنسان داخل السجون، إذ سعى، في حدود الصلاحيات المخولة له، إلى التوفيق بين متطلبات الأمن وضمان الحد الأدنى من الكرامة الإنسانية. هذا التوازن، الذي يشكل أحد أعقد تحديات الإدارة السجنية، كان حاضرا في مقاربته، من خلال احترام المساطر القانونية، وتفادي القرارات الارتجالية التي قد تفتح الباب أمام التجاوز أو الشطط في استعمال السلطة.
الانتقال اللاحق لخالد بنتركي إلى مجال التعليم العالي يفتح زاوية أخرى للتحقيق، تتعلق بمدى استثمار التجربة الميدانية داخل الفضاء الأكاديمي. فبحسب ما يتداوله طلبة وزملاء في الحقل الجامعي، فإن حضوره كأستاذ للقانون لا يقتصر على تقديم المعرفة النظرية، بل يتجاوزها إلى ربط النص القانوني بسياقه التطبيقي، مستندا إلى تجربة واقعية داخل الإدارة السجنية. هذا المعطى يمنح الدرس القانوني بعدا عمليا، ويجعل النقاش الأكاديمي أكثر اتصالا بالإشكالات الحقيقية التي تواجه تطبيق القانون.
ومن خلال تتبع كتاباته ومداخلاته الأكاديمية، يبرز اهتمام بنتركي بقضايا العدالة الجنائية، والحكامة، ودور الإدارة في تنزيل القانون، وهي مواضيع تحظى بأهمية خاصة في ظل التحولات التي يعرفها النظام الجنائي. كما يُسجل عليه، في الوسط الجامعي، ميل واضح إلى التحليل الهادئ، والابتعاد عن الخطاب الشعبوي، مع تشجيع الطلبة على التفكير النقدي وفهم تعقيدات الواقع المؤسساتي بدل الاكتفاء بالحلول الجاهزة.
التحقيق في هذه التجربة يقود إلى خلاصة أساسية مفادها أن مسار خالد بنتركي يعكس نموذجا لمسؤول عمومي انتقل من ممارسة السلطة الإدارية إلى مساءلتها علميا وأكاديميا. وهو انتقال لا يخلو من دلالات، إذ يبرز كيف يمكن للخبرة الميدانية، حين تُؤطر بالمعرفة القانونية، أن تسهم في تكوين أجيال جديدة من القانونيين أكثر وعيا بحدود النص وإكراهات التطبيق. كما يسلط الضوء على إمكانية بناء جسور حقيقية بين الإدارة والجامعة، بعيدا عن القطيعة التي غالبا ما تُتهم بها المنظومة التعليمية.
وفي غياب أي معطيات موثقة تناقض هذا المسار، يظل نموذج بنتركي قابلا للقراءة باعتباره تجربة مهنية تجمع بين الانضباط الإداري والرصانة الأكاديمية، وتؤكد أن النزاهة في تدبير المسؤولية لا تُقاس بالشعارات، بل بالمسار المتدرج، وبالقدرة على تحويل التجربة إلى معرفة تخدم الصالح العام وتغني النقاش العمومي حول العدالة والمؤسسات.












