خرج المغرب من واحدة من أطول موجات الجفاف في تاريخه الحديث، بعد سبع سنوات متتالية من الإجهاد المائي، وفق ما أعلنه وزير التجهيز والماء نزار بركة، في تحول وُصف بالإيجابي ليس فقط للقطاع الفلاحي، بل لمجمل التوازنات الاقتصادية بالمملكة.وسجّلت المملكة خلال الموسم الحالي تساقطات مطرية منتظمة زمنياً، وهو ما يمنحها أهمية خاصة مقارنة بسنوات سابقة اتسمت بندرة الأمطار أو عدم انتظامها. ويؤكد الخبير الاقتصادي إدريس الفينة أن الأثر الحقيقي لهذه التساقطات لا يكمن فقط في غزارتها، بل في توزيعها الزمني الذي يسمح بتحقيق فعالية زراعية فعلية وتحسين مردودية الإنتاج.وأوضح الفينة، وهو أستاذ بالمعهد الوطني للإحصاء والاقتصاد التطبيقي، أن تحسّن رطوبة التربة ينعكس إيجاباً على مختلف المحاصيل، وليس فقط على الحبوب، إذ يقلّص الحاجة إلى السقي التكميلي ويعزز انتظام دورات الإنتاج، ما من شأنه رفع العرض في السوق الداخلية والمساهمة في تهدئة نسبية لأسعار المواد الغذائية.كما تمتد الآثار الإيجابية إلى قطاع تربية الماشية، حيث يؤدي تعافي المراعي الطبيعية إلى تقليص الاعتماد على الأعلاف الصناعية المستوردة، الأمر الذي قد يحسّن هوامش المربين ويساعد على استقرار أسعار اللحوم والحليب ومشتقاتهما.وعلى مستوى التجارة الخارجية، يبرز أثر آخر لا يقل أهمية، إذ تشكل واردات الحبوب والمواد الغذائية أحد أبرز مصادر الضغط على الميزان التجاري في سنوات الجفاف. ويرى الخبير الاقتصادي أن موسماً فلاحياً جيداً في 2026 قد يقلّص بشكل ملموس واردات القمح والشعير، ويخفف من تبعية المغرب للأسواق الدولية المتقلبة.وفي هذا السياق، أشار رئيس المركز المستقل للتحليلات الاستراتيجية إلى أن التحسّن الجزئي في الإنتاج الوطني يمكن أن يوفّر عدة مليارات من الدراهم سنوياً من فاتورة استيراد الغذاء، ما ينعكس مباشرة على تقليص عجز الميزان التجاري والحد من انتقال التضخم المستورد إلى الأسعار الداخلية.أما على صعيد الصادرات الزراعية، فإن تحسّن الظروف المائية يساهم في انتظام العرض وتقليص مخاطر الانقطاعات، غير أن ارتفاع العائدات يبقى رهيناً بتطور الطلب الخارجي واحترام المعايير الصحية والقيود اللوجستية.وتجاوزاً للأثر القطاعي، يُرتقب أن تلعب عودة النشاط الفلاحي دوراً محورياً في دينامية النمو الاقتصادي خلال سنة 2026، خاصة وأن الفلاحة تمثل ما بين 12 و14 في المائة من الناتج الداخلي الإجمالي، إضافة إلى ما توفره من آثار مضاعفة على الصناعات الغذائية والنقل والتجارة والخدمات القروية.ووفق تقديرات الخبراء، فإن مردودية تتراوح بين 30 و40 قنطاراً للهكتار بالنسبة للقمح الطري قد ترفع الإنتاج الوطني من الحبوب إلى ما بين 70 و85 مليون قنطار، وهو مستوى يشكل قطيعة واضحة مع سنوات الجفاف الأخيرة ويقلّص اللجوء إلى واردات التعويض التي أثقلت كاهل المالية الخارجية للمملكة.ويخلص إدريس الفينة إلى أن موسماً فلاحياً قريباً من الوضع الطبيعي يمكن أن يضيف ما بين 0.7 ونقطة نمو واحدة مقارنة بسيناريو الإجهاد المائي، معتبراً أن هذه المساهمة تكتسي طابعاً استراتيجياً لكونها تستند إلى محرّك داخلي أقل ارتباطاً بالتقلبات الدولية، في سياق عالمي يتسم بعدم اليقين وتباطؤ المبادلات.
الأربعاء, أبريل 29, 2026
آخر المستجدات :












