على ناصية شارع 20 غشت، استعادت القصر الكبير نبضها بعد غياب اضطراري دام 18 يوماً. فتحت المحلات أبوابها بتؤدة، وعاد الباعة إلى مواقعهم في القلب التجاري للمدينة، حيث تعانق الحسنية زبوناتها وتردد بفخر أن “الرزيزة القصرية” لا مثيل لها، بينما يرتفع إيقاع السوق مع اقتراب الظهيرة.
في سوق سبتة وسوق الحنة، انهمك التجار في تجفيف الرطوبة وتنظيف السلع المتضررة، مستأنفين طقس المساومة وثرثرة ما بعد العاصفة. الإقبال على محلات الملابس ظل متردداً، في حين اتجهت العائلات إلى اقتناء المواد الأساسية استعداداً لرمضان، بينما تسابق الأفران الزمن لتلبية الطلب المتزايد على الخبز.
المدينة التي اعتادت صحبة الماء، وإن لم تخلُ من مخاطرها، استعادت حياتها تدريجياً. في المقاهي، كان المتقاعد محمد التويجر يحتسي شاي النعناع مسترجعاً لحظة مغادرته منزله فجراً امتثالاً لنداءات السلطات. يقول بصوت خافت: “حين يرتفع منسوب الماء يصبح التعايش مع الكهرباء لعبة خطرة”، قبل أن يعبر عن امتنانه لإنقاذ كتبه التي رفعها إلى مستوى آمن.
على مقربة من نهر اللوكوس، بدت آثار السيول واضحة، خصوصاً في المناطق المنخفضة عند المدخل الشمالي للمدينة، حيث لم تنجح التحصينات المؤقتة ولا أكياس الرمال في صد المياه. غير أن مشهداً آخر تصدر الواجهة: قوافل من الشاحنات الصهريجية القادمة من مختلف جهات المملكة، تتعاقب بلا توقف لتصريف المياه، في صورة تضامن مغربي رسمي وشعبي جسدته أيادٍ من سوس ماسة والدار البيضاء والشرق وغيرها.
عاد الأذان يعلو من جديد في سماء مدينة عريقة بعمقها الروحي، بعدما انقطع تحت سطوة الضرورة. في مسجد أبي المحاسن الفاسي، انكب المؤذن الشاب محمد البراق على تنظيف المفروشات وتجفيفها، استعداداً لليالي رمضان التي يتطلع إليها بشوق مضاعف.
داخل حي باب الواد، اشتغلت ربات البيوت على نشر الأفرشة وتجفيف الملابس والتخلص من المؤن الفاسدة. تقرحت الأيادي بفعل سوائل التنظيف، لكن العزم ظل أقوى من الإرهاق. وفي الأزقة، تعالت صيحات سائقي سيارات الأجرة، وعاد الأطفال إلى ملاعب الأحياء، فيما تسللت رائحة المشاوي الشعبية لتعلن أن الحياة تمضي.
وتجندت السلطات المركزية والمحلية، بتعليمات ملكية سامية، لضمان سلامة الساكنة وتأمين احتياجاتها الأساسية، بالتوازي مع مبادرات أهلية عززت شبكة الدعم الاجتماعي، خاصة لفائدة الأطفال وذوي الاحتياجات الخاصة الذين تأثروا بتداعيات الكارثة.
يرى مؤرخ المدينة محمد أخريف أن الفيضان “ضيف معتاد” في ذاكرة القصر الكبير، مستحضراً فيضان 1963 وغيره من المحطات التي طبعت تاريخ المدينة، حتى لُقبت بـ”البندقية الإفريقية”. ورغم الخسارات، فإن تمسك أهلها بالمكان ظل عنواناً لتجربة إنسانية متجذرة في ذاكرة الماء.
هكذا تعود القصر الكبير إلى سيرتها اليومية… بخطى متأنية وثقة متجددة، مستحضرة تاريخاً طويلاً من التعايش مع النهر، ومؤمنة بأن الحياة، مهما تعثرت، تستعيد مجراها.












