مع انبلاج المساء، وبينما تمضي بروكسل على إيقاعها اليومي، يبدأ حول المسجد الكبير قرب Parc du Cinquantenaire نبض مختلف. تخفت الضوضاء تدريجياً، وتتحول المنطقة المحيطة بالمسجد إلى مسار هادئ تتقاطع فيه خطى المصلين على اختلاف لغاتهم وأصولهم، في مشهد يعكس معنى رمضان خارج جغرافيته المعتادة: روحانية جماعية تُعيد ترتيب الوقت في قلب مدينة أوروبية صاخبة.
قبيل الساعة السابعة والنصف مساءً، تتوافد مجموعات صغيرة من المصلين عبر بوابات الحديقة، قادمين من أحياء متعددة، بعضهم يحمل مصحفاً، وآخرون يكتفون بإيماءة سلام سريعة قبل أن يدخلوا إلى فضاء يبدو منفصلاً عن صخب الخارج. ومع الاقتراب من المدخل، تخفت الأحاديث، وتغدو الخطوات أكثر وقاراً، فيما يحرص متطوعون على تنظيم الولوج وإرشاد الوافدين إلى الأماكن الشاغرة، وضبط استقامة الصفوف بهدوء لافت.
داخل قاعة الصلاة، تتشكل لحظة انتظار ذات طابع خاص. يجلس بعض المصلين لقراءة ما تيسر من القرآن، بينما يردد آخرون آيات يحفظونها عن ظهر قلب. هناك من يؤدي ركعتي تحية المسجد، ومن يسبّح بصمت، فيما يراقب الأطفال المشهد بوقار، يتعلمون تفاصيل الطقوس من خلال متابعة حركات الكبار قبل الكلمات.
الإضاءة الخافتة والثريات المعلقة تمنح المكان دفئاً بصرياً يتناقض مع برودة السماء الشتوية خلف النوافذ. ويختلط عبير بخور خفيف برائحة المصاحف القريبة من المحراب، في انتقال رمزي من ضجيج المدينة إلى صفاء الداخل. ثم يرتفع صوت المؤذن رخيمًا، لتتسارع وتيرة الامتلاء داخل القاعة وتكتمل الصفوف على امتداد الطوابق الثلاثة، رجالاً ونساءً، في نظام يختصر معنى “الجماعة” كما يعيشه رمضان.
لكن ما يلفت في المشهد ليس كثافة الحضور فقط، بل تنوعه. في بروكسل، المدينة الكوزموبوليتانية بامتياز، تتجاور الهمسات بالعربية والفرنسية والهولندية والتركية وغيرها، وتظهر على الوجوه أصول متعددة تمتد من المغرب العربي إلى إفريقيا جنوب الصحراء، ومن الشرق الأوسط إلى آسيا. اختلافات تبدو في العادة عنواناً للتباين، لكنها هنا تذوب في لحظة موحدة تصنعها الصلاة.
ومع انطلاق التراويح، تتناوب السكينة وحركة الجموع في إيقاع منضبط: جرعة ماء بين الركعات، تمديد ساقين أنهكهما صيام يوم طويل، أو انسحاب صامت لمن غلبه التعب. غير أن المشهد سرعان ما يعود إلى هدوئه، كأن المكان يذكّر روّاده بأن رمضان ليس مجرد شعيرة، بل تجربة تتجدد مساءً وتعيد بناء العلاقة مع الذات والجماعة.
وعند ختام الصلاة، يغادر المصلون في صمت نسبي، تستقبلهم برودة الليل وتنتظرهم دورة جديدة من يوم صيام قريب. وعلى مقربة من المؤسسات الأوروبية، تُطوى لحظة زمنية مختلفة: مسجد يتحول إلى منارة هادئة، لا تقطعها السياسة ولا تعكرها اختلافات الخلفيات، بقدر ما تجمعها قيم مشتركة من التضامن والتراحم وحسن الجوار.
في بروكسل، حيث تتقاطع الهويات يومياً في الشارع والعمل، يضيف رمضان مساحة أخرى للتلاقي: مساحة لا تُختصر في الانتماء، بل في المعنى… معنى يضيء كل مساء، ثم يمضي تاركاً أثراً ناعماً في المدينة.












