بين أروقة الوكالة المغربية للدم ومشتقاته بجهة الشرق، تواصل الدكتورة سناء اسماعل أداء مهامها بهدوء وثبات، في مسار يجمع بين المسؤولية الطبية والالتزام الإنساني. فهي لا تمثل فقط مؤسسة صحية حيوية، بل تجسد أيضا صورة المرأة المغربية التي اختارت أن تجعل من التوعية الصحية والتعبئة المجتمعية رسالة يومية في خدمة الحياة.
وتؤمن سناء اسماعل بأن مجال تحاقن الدم يشكل ركيزة أساسية داخل المنظومة الصحية، لذلك سخرت جزءا كبيرا من مسارها المهني والجمعوي من أجل ترسيخ ثقافة التبرع بالدم وضمان توفيره لكل من يحتاجه. ومن هذا المنطلق، جعلت من هدف “قطرة دم آمنة” عنوانا لالتزامها المتواصل، إيمانا منها بأن التبرع ليس مجرد إجراء طبي، بل فعل تضامن وإنقاذ للأرواح.
وترجع بدايات هذا الطموح إلى سنوات الدراسة الأولى، حين كان أساتذتها ينادونها بـ”دكتورة المستقبل”، وهي العبارة التي لم تكن بالنسبة إليها مجرد تشجيع عابر، بل تحولت إلى دافع حقيقي رسم ملامح مسارها المهني. وتنحدر سناء اسماعل من الناظور، لكنها نشأت بمدينة وجدة، حيث بدأت أولى خطواتها الدراسية، قبل أن تحصل على شهادة البكالوريا من ثانوية عبد المؤمن سنة 1994.
وبعد ذلك، التحقت بكلية الطب والصيدلة بالرباط، حيث تابعت تكوينها الجامعي إلى أن تخرجت سنة 2002، لتبدأ رحلة العمل الميداني في منطقة عين الصفا بضواحي وجدة. وهناك، قضت ستة عشر عاما في خدمة الساكنة المحلية، مكتسبة خبرة مهنية وإنسانية كبيرة من خلال الاحتكاك اليومي بالمرضى واحتياجاتهم الصحية.
ولم يكن توجهها نحو تخصص تحاقن الدم اختيارا عابرا، بل جاء نتيجة قناعة ترسخت في سن مبكرة، وتحديدا منذ أن شاهدت وهي في الرابعة عشرة من عمرها وصلة تحسيسية عن طفلة في حاجة ماسة إلى الدم. وظلت تلك الصورة راسخة في ذهنها، لتتحول مع الوقت إلى مسار مهني واضح قادها إلى تحمل مسؤوليات متزايدة، وصولا إلى تمثيل الوكالة المغربية للدم ومشتقاته بجهة الشرق.
وترى الدكتورة سناء اسماعل أن إحداث هذه الوكالة يشكل خطوة نوعية في تطوير المنظومة الصحية بالمملكة، باعتبارها مشروعا مهيكلا يندرج ضمن رؤية تروم تعزيز النجاعة وضمان استدامة خدمات تحاقن الدم. وتعتبر أن الدم يظل عنصرا حيويا يخدم مختلف التخصصات الطبية، ما يفرض العمل بشكل دائم على تأمين مخزون احتياطي كاف، خاصة في ظل الحاجيات المتزايدة المرتبطة بحوادث السير وعلاج السرطان وحالات نقص المناعة.
وفي إطار عملها المؤسساتي، تمكنت من قيادة المؤسسة بجهة الشرق نحو الحصول على شهادة الجودة العالمية ISO 9001، كما واكبت مشاريع طموحة ترمي إلى تحقيق الاكتفاء الذاتي الصحي، لاسيما في مجال إنتاج البلازما على المستوى الوطني، في أفق تقوية السيادة الصحية وتعزيز الاستجابة للحاجيات المتزايدة.
وبموازاة مسؤولياتها الرسمية، برزت الدكتورة سناء اسماعل أيضا كفاعلة جمعوية نشيطة، خاصة منذ تأسيسها لجمعية “مبادرون” سنة 2015، والتي أرادت لها أن تكون فضاء لترسيخ قيم المواطنة والتطوع، خصوصا في المناطق النائية. ومن خلال هذه المبادرة، سعت إلى جعل العمل الجمعوي شريكا أساسيا في دعم الجهود الصحية، وتحويل ثقافة التبرع بالدم من مبادرات ظرفية إلى سلوك منتظم ومستدام.
وفي جانب التحسيس والتواصل، تعتمد سناء اسماعل على أساليب ميدانية متنوعة وغير تقليدية، من خلال الانفتاح على المساجد والمؤسسات التعليمية، بهدف نشر الوعي بأهمية التبرع بالدم لدى مختلف الفئات. كما تراهن على تكوين جيل جديد من “سفراء التبرع”، القادرين على نقل الرسالة الصحية بأسلوب علمي وإنساني، إلى جانب تأهيل الأطر الطبية لتلعب دورا أكبر في توعية أسر المرضى ومحيطهم.
وتؤكد الدكتورة سناء أن المرأة المغربية قادرة على لعب دور محوري في هذا الورش الإنساني، بفضل ما تتميز به من حس عاطفي ووعي اجتماعي، مشيدة بالنساء المتبرعات بجهة الشرق، اللواتي يجسدن قيم التضامن والرعاية في أبهى صورها.
ورغم كثافة مسؤولياتها، تحرص سناء اسماعل على الحفاظ على شغفها بالقراءة، إذ تعتبر نفسها قارئة نهمة في مجالات علم النفس والاجتماع، وترى في الكتاب وسيلة أساسية لبناء الفكر وتوسيع الأفق. ومن هذا المنطلق، توجه رسالة إلى النساء بضرورة التمسك بالعلم والمعرفة، والابتعاد عن المحتويات السريعة والعابرة التي لا تترك أثرا حقيقيا في بناء الذات.
هكذا تواصل الدكتورة سناء اسماعل مسارها بين الواجب المهني والعمل التطوعي والرؤية الإنسانية، مستندة إلى دعم أسرتها ووفائها لقيم العلم والعطاء، لتقدم نموذجا نسائيا مغربيا يجمع بين الكفاءة والالتزام، ويساهم في ترسيخ ثقافة صحية قائمة على التضامن والمسؤولية الجماعية.












