في قلب دوار إمي نتاتلت، التابع لجماعة ابن يعقوب على بعد نحو 120 كيلومترا من مدينة طاطا، تواصل زينة أيت بريك نسج خيوط الذاكرة والتراث من خلال حرفة تقليدية عريقة، جعلت منها رسالة للحفاظ على الهوية المحلية وتمكين نساء المنطقة اقتصاديا واجتماعيا.
تجلس زينة أمام منسجها الخشبي في هدوء، تحرك خيوط الصوف بإيقاع متزن، لتتشكل أمامها الزربية الطاطاوية قطعة بعد أخرى، حاملة في تفاصيلها رموزا أمازيغية ودلالات ثقافية متوارثة. ولا تنظر زينة إلى هذه الحرفة باعتبارها مجرد نشاط يدوي، بل تراها تعبيرا عن تاريخ جماعي وذاكرة نسائية متجذرة في المكان.
ومن خلال إشرافها على تعاونية “أزغار ابن يعقوب”، تعمل زينة على صون هذا الموروث التقليدي ونقله إلى الأجيال الجديدة، بدءا من جمع الصوف المحلي وغسله وغزله، وصولا إلى صبغه بمواد طبيعية مستخلصة من نباتات المنطقة، مثل الحناء والسواك وقشور الرمان وورق البصل والشيح، قبل المرور إلى مرحلة النسج التي تمنح الزربية شكلها النهائي وروحها الخاصة.
وتستحضر زينة بداياتها الأولى مع هذه الحرفة، مؤكدة أنها تعلمت أسرارها منذ سن الثانية عشرة على يد والدتها وجدتها، وهو ما جعل علاقتها بالزربية تتجاوز بعدها المهني لتصبح ارتباطا وجدانيًا بهوية الأسرة والقبيلة والمجال الذي تنتمي إليه.
ولا يقتصر دورها اليوم على الإنتاج فقط، بل يشمل أيضا تكوين نساء الدوار داخل التعاونية، حيث تسهر على تلقينهن تقنيات الحياكة وتمكينهن من مهارات مهنية تساعدهن على تحسين أوضاعهن المعيشية. وبذلك، يتحول الفضاء الحرفي إلى مجال لحفظ التراث وتعزيز روح التضامن والتعاون بين النساء.
كما توسعت أنشطة التعاونية لتشمل، إلى جانب الزرابي، صناعة عدد من المنتوجات الصوفية الأخرى، من بينها الحايك والجلابيب والسلاهيم والأغطية التقليدية والأحذية، في تنوع يعكس غنى الخبرات المحلية وقدرة الصانعات على تثمين الموارد الطبيعية المتاحة بالمنطقة.
وشكلت المبادرة الوطنية للتنمية البشرية دعما مهما لمسار التعاونية، بعدما ساهمت في توفير تجهيزات خاصة بحياكة الزرابي، وهو ما ساعد على تحسين ظروف العمل وتجويد المنتوجات، وفتح آفاق أوسع أمام النساء العاملات داخل هذا المشروع.
ورغم الإكراهات المرتبطة بالتسويق والحفاظ على الطابع الأصيل للمنتوج، تواصل زينة أيت بريك عملها بثبات، واضعة نصب عينيها هدف التعريف بالزربية الطاطاوية خارج حدود الإقليم، وإبراز قيمتها كرافعة للتنمية المحلية ومصدر فخر للمنطقة.
وهكذا، لا تكتفي زينة بحياكة الزرابي، بل تنسج من خلال عملها اليومي خيوط الذاكرة والهوية، وتفتح أمام نساء دوارها آفاقا جديدة للأمل والاستمرار.












