يُعد الفنان المغربي عبد المجيد فنيش واحداً من أبرز الأسماء التي بصمت المشهد المسرحي المغربي، من خلال تجربة فنية متجذرة في التراث، ومفتوحة في الآن ذاته على التجديد والبحث، في مسار يمتد لأزيد من نصف قرن من العطاء .
نشأ فنيش في أزقة مدينة سلا العتيقة، وسط بيئة مشبعة بالموسيقى الأندلسية وفنون المديح والسماع، حيث تشكلت ملامح شغفه المبكر بالفن منذ طفولته، مدفوعاً بتقاليد ثقافية متوارثة داخل أسرته، التي جمعت بين الذوق الموسيقي والصناعات التقليدية .
وبدأت ملامح موهبته تتبلور في سن مبكرة، من خلال تقمصه للأدوار المسرحية واستلهامه للأعمال الإذاعية التراثية، قبل أن يجد في المؤسسات التعليمية فضاءً خصباً لتنمية قدراته، حيث أسهمت الأنشطة المدرسية والأندية المسرحية في صقل تجربته الفنية .
وخلال سبعينيات القرن الماضي، تعززت هذه التجربة بالاحتكاك مع أسماء بارزة في الساحة الفنية الوطنية، مما مكنه من تطوير رؤيته المسرحية، التي ستتجه لاحقاً نحو توظيف التراث كمادة أساسية للإبداع، سواء على مستوى النص أو الإخراج .
وشكل انخراطه في تجربة “المسرح الاحتفالي”، التي قادها عبد الكريم برشيد، محطة مفصلية في مساره، حيث أخرج عدداً من الأعمال المستلهمة من التراث العربي والمغربي، في محاولة لإعادة تقديم هذا الموروث في قالب فرجوي معاصر يجمع بين الأصالة والتجديد .
كما امتد اهتمام فنيش إلى البحث في التراث الموسيقي، خاصة فن الملحون، حيث ساهم في تحويل عدد من الدواوين إلى عروض مسرحية غنائية، تمزج بين الأداء الدرامي والموسيقي، في تجربة فنية متكاملة .
ورغم التحولات التي شهدها المسرح المغربي، يظل فنيش وفياً لقناعته بأن المسرح فن حي يقوم على اللقاء المباشر مع الجمهور، معبراً في الوقت ذاته عن قلقه من تراجع الإقبال على العروض المسرحية، في ظل هيمنة الوسائط الرقمية وتغير عادات التلقي .
ومع ذلك، يواصل الفنان المغربي رهانه على الأجيال الجديدة، التي تسعى إلى إعادة إحياء هذا الفن، مؤكداً أن الأمل ما يزال قائماً في استعادة بريق المسرح، من خلال مبادرات شبابية ومهرجانات تسعى إلى تقريب هذا الفن من الجمهور .
ويعكس مسار عبد المجيد فنيش تجربة فنية أصيلة، نجحت في المزج بين التراث والحداثة، وجعلت من المسرح فضاءً للتعبير عن الهوية الثقافية، وعن القضايا المجتمعية، في رؤية فنية تؤمن بأن التراث ليس ماضياً منتهياً، بل مادة حية قابلة للتجدد والإبداع.












