تستقبل أرض “المحرك” بالجماعة الترابية أهل المربع، بإقليم الفقيه بن صالح، زوارها بعبق تاريخي أصيل، حيث تختلط رائحة البارود بصهيل الخيل، في مشهد يستحضر صفحات من الماضي ويعيد إحياءها في الحاضر. هنا، لا تُطلق طلقات “التبوريدة” لمجرد الاستعراض، بل كإعلان رمزي متجدد عن التمسك بميثاق السلم والتآخي، الذي اختار له منظمو النسخة الخامسة عشرة من مهرجان “العهد” شعارا معبرا: “تعاقد سنوي للحفاظ على الموروث التاريخي وربط الماضي بالحاضر”.هذا الحدث لا يُختزل في كونه موسما احتفاليا عاديا، بل يمثل ذاكرة جماعية حية توثق لمرحلة مفصلية من تاريخ قبائل بني شكدال، حين قررت مكوناتها طي صفحة الخلافات وإبرام صلح دائم. ومنذ ذلك الحين، تحولت الخيول وطقوس الفروسية إلى رمز لهذا التوافق، في تقليد متجذر يعكس قيم التعايش والوحدة.وفي ساحة “المحرك”، تتجلى روعة “التبوريدة” بكل تفاصيلها، حيث تصطف “السربات” في تناغم بديع، يرتدي فرسانها الجلابيب البيضاء، في مشهد يوحي بوحدة الصف قبل دقة الطلقة. ومع بلوغ الأداء ذروته، تبرز شخصية “مول القلة”، الذي يخلد لحظة الإبداع بطقس رمزي مميز، يكسر فيه إناءً فخاريا على الأرض، في تعبير عميق عن استحالة العودة إلى زمن النزاع، تماما كما يستحيل ترميم الفخار بعد تحطمه.هذا الطقس، بما يحمله من دلالات أنثروبولوجية، يترجم إرثا ثقافيا غنيا يتجاوز الفرجة إلى ترسيخ قيم الوفاء بالعهد. وتتوالى العروض وسط زغاريد النساء وتصفيق الحاضرين، في أجواء احتفالية تعكس ارتباط المجتمع المحلي بتراثه وهويته.وفي هذا السياق، يؤكد فاعلون محليون أن مهرجان “العهد” يشكل مبادرة ثقافية واجتماعية انبثقت من عمق الذاكرة الجماعية، هدفها صون التراث اللامادي وتعزيز روابط التضامن بين أبناء المنطقة. كما أصبح هذا الموعد السنوي فضاء يجمع بين إحياء التاريخ والانفتاح على تعابير ثقافية حديثة، بما يعزز إشعاعه على المستويين المحلي والوطني.ولا يقتصر أثر المهرجان على البعد الرمزي، بل يمتد ليشمل الجوانب الاجتماعية والاقتصادية، إذ يوفر متنفسا للساكنة وينعش الحركة التجارية، إلى جانب التعريف بمؤهلات المنطقة وتاريخها العريق.ومع إسدال الستار على هذه الدورة، يبقى صدى حوافر الخيل وطلقات البارود شاهدا على استمرار تقليد متجذر، يؤكد أن إقليم الفقيه بن صالح يزخر بثروة تراثية لا تُقدر بثمن، قوامها التسامح وروح الجماعة، وحارسها عهد لا ينكسر.
الثلاثاء, سبتمبر 22, 2026
آخر المستجدات :
- بنك المغرب يبقي على سعر الفائدة الرئيسي عند 2,25 بالمائة
- تنسيق أمني مغربي إسباني استباقي لتأمين حدود سبتة
- الداخلية تيسر الوصول لمكاتب التصويت عشية الاقتراع
- وسائل اعلام أمريكية تقاضي إدارة ترامب دفاعا عن حرية الصحافة
- مانشيني يعود لقيادة “الأتزوري” بمهمة إنقاذ عاجلة
- تراجع حاد لأسعار النفط وسط آفاق الدبلوماسية ومعطيات الإمدادات
- طالب مغربي يتألق في مؤتمر المناخ بعُمان ويتصدر التصنيف الوطني
- قيادة جديدة للمجلس الوطني للصحافة..انتخاب المختار الغزيوي رئيساً وحنان رحاب نائبة له












