متابعة : محمد امزيان لغريب
يحضر اليوم العالمي لحرية الصحافة في المغرب هذا العام كموعد جديد لإعادة فتح ملف قديم، لكنه لا يفقد حدّته: حرية الصحافة بين ما يتيحه النص القانوني وما تفرزه الممارسة اليومية داخل الحقل الإعلامي.
على الورق، تبدو الصورة واضحة.الدستور يكرّس حرية الرأي والتعبير، وإصلاحات تشريعية سابقة حاولت نقل المشهد الإعلامي نحو مزيد من الانفتاح، خصوصاً بعد إلغاء العقوبات السالبة للحرية في قضايا النشر. لكن داخل الميدان، يظل السؤال مطروحاً بإلحاح: هل تكفي النصوص وحدها لضمان صحافة حرة ومستقلة؟
تقرير المنظمات الدولية المعنية بحرية الصحافة، وعلى رأسها “مراسلون بلا حدود”، يضع المغرب في خانة الدول ذات الأداء المتوسط، مع تسجيل تحسن تدريجي، لكنه مشفوع بإشارات قلق تتعلق باستقلالية التحرير، وضغوط المتابعات القضائية، وحساسية الخطوط الحمراء غير المعلنة التي يشتكي منها عدد من المهنيين.
في المقابل، تؤكد السلطات أن حرية الصحافة مكفولة دستورياً، وأن ما يُثار حول التضييق لا يتجاوز في كثير من الحالات تطبيقاً للقانون في إطار التوازن بين الحرية والمسؤولية، مع التشديد على احترام أخلاقيات المهنة وعدم المساس بحقوق الأفراد والمؤسسات.
لكن بين هذا وذاك، يشتغل الصحافي المغربي في مساحة رمادية معقدة. مساحة تتقاطع فيها الضغوط الاقتصادية مع هشاشة المقاولة الإعلامية، حيث تعتمد العديد من المؤسسات على الإشهار والدعم، ما يطرح سؤال الاستقلالية المالية وتأثيرها على الخط التحريري. وفي الخلفية، تظل المتابعات القضائية في قضايا النشر أو التعبير الرقمي حاضرة كعامل يُعيد رسم حدود الجرأة الصحفية.
إلى جانب ذلك، فرض التحول الرقمي واقعا جديدا أكثر تعقيداً. منصات التواصل الاجتماعي كسرت احتكار المعلومة، لكنها في الوقت نفسه فتحت الباب واسعاً أمام الأخبار غير الموثوقة، ما جعل الصحافة المهنية في مواجهة منافسة غير متكافئة، تتطلب منها مجهوداً مضاعفاً لإثبات المصداقية وسط ضجيج رقمي متسارع.
في هذا السياق، يصبح النقاش حول حرية الصحافة في المغرب أبعد من مجرد تصنيفات دولية أو بيانات رسمية. إنه نقاش حول توازن دقيق بين سلطة القانون، واستقلال المهنة، وضغوط الواقع الاقتصادي والسياسي، وحول موقع الصحافي داخل هذا التشابك المعقد.
المعادلة تبدو واضحة في شكلها، لكنها صعبة في تطبيقها: لا ديمقراطية دون صحافة حرة، ولا صحافة حرة دون شروط مهنية واقتصادية وقانونية تضمن لها الحد الأدنى من الاستقلال الفعلي، لا النظري فقط.
وبين الشعارات والواقع، يبقى اليوم العالمي لحرية الصحافة مناسبة لإعادة طرح سؤال بسيط في صياغته، عميق في دلالته: إلى أي حد يمكن للصحافي أن يكتب دون حسابات خارج النص؟
سؤال لا يزال مفتوحاً، وربما جوابه الحقيقي يُكتب كل يوم داخل غرف التحرير، أكثر مما يُقال في البيانات الرسمية أو المناسبات الرمزية.












