سيكون ملعب “بي بي في إيه” بمدينة غوادالوبي في مونتيري المكسيكية، يوم الثلاثاء عند الساعة الثانية صباحًا، مسرحًا لواحدة من أقوى مواجهات دور الـ32 من نهائيات كأس العالم 2026، حين يلتقي المنتخب المغربي بنظيره الهولندي في قمة كروية واعدة، يسعى من خلالها كل طرف إلى مواصلة مشواره نحو الأدوار المتقدمة والإبقاء على حلم المنافسة على اللقب العالمي قائمًا.
وتكتسي هذه المواجهة أهمية خاصة بالنظر إلى المستوى القوي الذي قدمه المنتخبان خلال دور المجموعات، بعدما نجح كل منهما في حصد سبع نقاط. فقد أنهى المنتخب المغربي منافسات المجموعة الثالثة في المركز الثاني، بينما تصدر المنتخب الهولندي المجموعة السادسة بفارق الأهداف، ليضرب المنتخبان موعدًا يعد بالكثير من الإثارة بين مدرستين كرويتين تختلفان في الأسلوب، لكنهما تتفقان في الطموح.
ويدخل المنتخب الوطني المغربي هذه المباراة بمعنويات مرتفعة، بعدما أكد مرة أخرى مكانته بين كبار المنتخبات العالمية، عقب أداء ثابت ومقنع في دور المجموعات. واستهل “أسود الأطلس” مشوارهم بتعادل ثمين أمام البرازيل بهدف لمثله، قبل تحقيق انتصار صعب على إسكتلندا بهدف دون رد، ثم حسم التأهل بفوز مستحق على هايتي بأربعة أهداف مقابل هدفين، ليختتموا الدور الأول بسبع نقاط.
وأكد هذا المسار أن الإنجاز التاريخي الذي حققه المنتخب المغربي في مونديال 2022 لم يكن مجرد محطة عابرة، بل امتدادًا لمشروع كروي يواصل التطور عامًا بعد آخر، بفضل الاستقرار الفني والتطور الجماعي والقدرة على مقارعة أقوى المنتخبات العالمية.
ويصل المنتخب المغربي إلى هذه المواجهة مدعومًا بسلسلة استثنائية بلغت 32 مباراة متتالية دون هزيمة، في رقم يعكس الاستقرار الذي يعيشه الفريق تحت قيادة المدرب محمد وهبي، إلى جانب التطور الملحوظ في الأداء الجماعي والفعالية الهجومية، بعدما نجح المنتخب في التسجيل خلال جميع مبارياته في البطولة الحالية.
وتبرز القوة الهجومية للمغرب من خلال الأرقام التي حققها في الفترة الأخيرة، إذ سجل 16 هدفًا خلال آخر ست مباريات في مختلف المسابقات، مقابل أربعة أهداف فقط استقبلتها شباكه، وهو ما يعكس التوازن الكبير بين الصلابة الدفاعية والنجاعة الهجومية، ويؤكد أن المنتخب الوطني بات من أكثر المنتخبات اكتمالًا على الساحة الدولية.
كما يواصل إسماعيل صيباري تأكيد مكانته كأحد أبرز نجوم النسخة الحالية من كأس العالم، بعدما أحرز ثلاثة أهداف في البطولة، بينها هدفان افتتح بهما التسجيل، ليصبح من أبرز الأوراق الرابحة في تشكيلة “أسود الأطلس”، بفضل تحركاته المستمرة وقدرته على صناعة الفارق في الثلث الأخير من الملعب.
في المقابل، يدخل المنتخب الهولندي المواجهة بعدما بصم على دور أول قوي، أنهاه في صدارة مجموعته السادسة برصيد سبع نقاط، مستفيدًا من فارق الأهداف، عقب تعادله أمام اليابان بهدفين لمثلهما، ثم اكتساحه المنتخب السويدي بخمسة أهداف مقابل هدف، قبل تفوقه على تونس بثلاثة أهداف مقابل هدف.
وأثبت منتخب “الطواحين” امتلاكه أحد أقوى الخطوط الهجومية في البطولة، بعدما سجل عشرة أهداف في ثلاث مباريات فقط، كما حافظ على سلسلة من أربع مباريات متتالية دون هزيمة، مع قدرة واضحة على فرض نسقه الهجومي منذ الدقائق الأولى، بعدما افتتح التسجيل في خمس من آخر ست مباريات خاضها.
ويعتمد المنتخب الهولندي بشكل كبير على مهاجمه برايان بروبي، الذي سجل ثلاثة أهداف في النسخة الحالية، إلى جانب مجموعة من اللاعبين أصحاب الخبرة والجودة، يتقدمهم القائد فيرجيل فان دايك في الخط الخلفي، وفرينكي دي يونغ في وسط الميدان، إضافة إلى رايان غرافنبرخ وتيجاني رايندرس، وهي أسماء تمنح المنتخب الهولندي توازنًا كبيرًا بين الدفاع والهجوم.
وتسعى هولندا، التي بلغت نهائي كأس العالم في ثلاث مناسبات أعوام 1974 و1978 و2010 دون أن تتوج باللقب، إلى استثمار البداية القوية التي حققتها في النسخة الحالية، وهي تدخل المباراة بسلسلة مميزة بلغت 15 مباراة متتالية دون هزيمة في نهائيات كأس العالم، منذ خسارتها نهائي نسخة 2010 أمام إسبانيا بعد التمديد.
وكان مدرب المنتخب الهولندي رونالد كومان قد أكد أن مواجهة المغرب ستكون من أصعب مباريات فريقه، مشيدًا بالإمكانات التي يتمتع بها “أسود الأطلس”، ومعتبرًا أنهم منتخب يمتلك جودة كبيرة ويعرف كيف يصل إلى الشباك بسهولة، وهو ما يعكس حجم الاحترام الذي بات يحظى به المنتخب المغربي لدى كبار المنتخبات العالمية.
وعلى المستوى التاريخي، لا يحمل سجل المواجهات بين المنتخبين سوى ثلاث مباريات، لكنها اتسمت جميعها بالندية والإثارة. وكانت البداية في كأس العالم 1994 بالولايات المتحدة الأمريكية، حين فازت هولندا بهدفين مقابل هدف في دور المجموعات، قبل أن يرد المغرب الدين بعد خمس سنوات بفوز ودي في مدينة أرنهيم بالنتيجة نفسها، فيما عاد المنتخب الهولندي ليحسم المواجهة الثالثة، التي أقيمت بمدينة أكادير سنة 2017، بنتيجة هدفين مقابل هدف أيضًا.
وانتهت المواجهات الثلاث السابقة جميعها بالنتيجة ذاتها، هدفان مقابل هدف، مع أفضلية تاريخية بسيطة للمنتخب الهولندي الذي حقق انتصارين مقابل فوز واحد للمغرب. غير أن التحول الكبير الذي عرفه المنتخبان خلال السنوات الأخيرة يجعل المواجهة الحالية مختلفة تمامًا عن سابقاتها، خصوصًا في ظل الطفرة الواضحة التي شهدتها الكرة المغربية على المستوى الدولي.
وينتظر أن تعرف المباراة طابعًا هجوميًا مفتوحًا، بالنظر إلى نجاح المنتخبين في التسجيل خلال جميع مباريات دور المجموعات، إضافة إلى امتلاكهما عناصر قادرة على صناعة الفارق في مختلف الخطوط، ما يجعل الصراع في وسط الميدان، إلى جانب القدرة على استغلال التحولات السريعة، من أبرز مفاتيح حسم بطاقة التأهل.
وأسند الاتحاد الدولي لكرة القدم إدارة هذه القمة إلى طاقم تحكيم برازيلي يقوده الحكم ويلتون سامبايو، بمساعدة مواطنيه برونو بيريس وبرونو بوسكيليا، فيما سيتولى التشيلي كريستيان غاراي مهمة الحكم الرابع.
وبين طموح المغرب في تأكيد مكانته ضمن كبار اللعبة، ورغبة هولندا في مواصلة البحث عن لقب عالمي طال انتظاره، تبدو المواجهة مفتوحة على كل الاحتمالات، في اختبار قوي سيحدد ملامح أحد أبرز المتأهلين إلى الدور المقبل من كأس العالم.












