أكد باحثون وخبراء في المجال الفلاحي أن تعزيز الأمن الغذائي بالمغرب يمر عبر تسريع وتيرة الابتكار الزراعي، واستنباط أصناف جديدة أكثر مقاومة للجفاف، إلى جانب توسيع اعتماد الزراعة المحافظة وتقنية الزرع المباشر، بما يساهم في تحسين مردودية الحبوب والقطاني ومواجهة آثار التغيرات المناخية.
وخلال لقاء علمي نظمته مبادرة «المثمر» عن بعد، الجمعة، شدد المشاركون على أن البحث العلمي ونقل التقنيات الحديثة إلى الفلاحين أصبحا من الركائز الأساسية لضمان استدامة الإنتاج الفلاحي، خاصة في المناطق الجافة وشبه الجافة.
وأوضح رئيس المركز الجهوي للبحث الزراعي بسطات والباحث في التحسين الوراثي واستنباط أصناف القمح، علي أعمامو، أن المعهد الوطني للبحث الزراعي نجح في تطوير أصناف جديدة من الحبوب والقطاني تجمع بين القدرة على مقاومة الجفاف وتحقيق مردودية مرتفعة.
وأشار إلى أن توالي سنوات الجفاف وارتفاع درجات الحرارة أثرا بشكل مباشر على إنتاج الحبوب، مبرزًا أن انتظام توزيع التساقطات المطرية خلال الموسم الفلاحي لا يقل أهمية عن كميتها الإجمالية.
وأضاف أن تحسن توزيع الأمطار خلال الموسم الحالي يبعث على التفاؤل بتحقيق إنتاج قد يصل إلى نحو 90 مليون قنطار، منها 44 مليون قنطار من القمح اللين، و25 مليون قنطار من الشعير، و21 مليون قنطار من القمح الصلب.
وكشف أعمامو أن المعهد الوطني للبحث الزراعي التزم، في إطار استراتيجية «الجيل الأخضر»، بتطوير 50 صنفًا زراعيًا جديدًا بحلول سنة 2030، مشيرًا إلى تسجيل أكثر من 30 صنفًا حتى الآن.
وأظهرت التجارب الميدانية، بحسب المتحدث، قدرة بعض هذه الأصناف على تحقيق مردودية بلغت 24 قنطارًا للهكتار، حتى في مناطق لم تتجاوز فيها التساقطات المطرية 186 مليمترًا.
كما دعا إلى تعميم الزراعة المحافظة والزرع المباشر، بالنظر إلى دورهما في ترشيد استهلاك المياه والحفاظ على خصوبة التربة، مبرزًا أن المغرب يستهدف بلوغ مليون هكتار من الأراضي المزروعة بهذه التقنية بحلول سنة 2030، مقابل نحو 400 ألف هكتار حاليًا.
وفي السياق ذاته، أشار إلى أن بنك الجينات التابع للمعهد يحتفظ بأكثر من 80 ألف عينة من الموارد الوراثية النباتية، ما دفع إلى إحداث بنك جينات جديد بالرباط لتعزيز حماية الأصناف المحلية والتنوع البيولوجي الزراعي.
من جانبه، أكد المستشار بالمكتب الوطني للاستشارة الفلاحية ببوزنيقة، محمد كرزازي، أن نجاح الابتكار الزراعي يبقى مرتبطًا بقدرته على الوصول إلى الفلاحين وتحوله إلى ممارسات ميدانية.
وأوضح أن المكتب يواكب مختلف مراحل الإنتاج، انطلاقًا من اختيار البذور المعتمدة والتتبع التقني، وصولًا إلى الحصاد وتثمين المنتوجات، اعتمادًا على نتائج البحث العلمي والتقنيات الحديثة.
وأضاف أن الاستراتيجية الحالية تركز على تعميم الممارسات الزراعية المستدامة، واعتماد الأصناف المقاومة للجفاف، وترشيد استعمال المياه، إلى جانب تشجيع التعاونيات والتنظيمات المهنية للحد من تكاليف الإنتاج وتحسين التسويق.
وأشار إلى أن نقل المعرفة إلى الفلاحين يتم عبر المدارس الحقلية والزيارات الميدانية والدورات التكوينية والرحلات الدراسية والمنصات الرقمية، وفي مقدمتها منصة «أرضنا».
وسجل كرزازي استمرار عدد من التحديات، أبرزها تردد بعض الفلاحين في اعتماد التقنيات الجديدة قبل معاينة نتائجها ميدانيًا، وضعف انخراطهم في التنظيمات المهنية، ما يحد من استفادتهم من برامج الدعم ويؤثر على تنافسية القطاع.
بدوره، أبرز رئيس مصلحة تفعيل الاستشارة الفلاحية بإقليم الرحامنة، عبد الله مشروع، أن التجارب الميدانية المنجزة بجهة مراكش-آسفي أظهرت نتائج مشجعة لتقنية الزرع المباشر.
وأوضح أن مردودية الحبوب بلغت نحو 24 قنطارًا للهكتار بالرحامنة الشمالية و29 قنطارًا بالرحامنة الجنوبية، معتبرًا أن هذه النتائج تؤكد نجاعة التقنية في المناطق شبه الجافة.
كما شدد على أهمية الرقمنة في تطوير الاستشارة الفلاحية، من خلال منصات «أرضنا» و«الفيس أكري»، وتوظيف وسائل التواصل الاجتماعي والذكاء الاصطناعي لتوسيع قاعدة المستفيدين من الإرشاد الزراعي.
وأكد المشاركون أن الجمع بين البحث العلمي والتقنيات الحديثة والمواكبة الميدانية للفلاحين يشكل مدخلًا أساسيًا لبناء فلاحة أكثر استدامة وقدرة على الصمود أمام الجفاف والتغيرات المناخية.












