ارتبط المسار الشعري لمراد القادري ارتباطا وثيقا بمدينة سلا وفضاءاتها الشعبية، حيث تشكلت ذاكرته الأولى بين الزاوية والزقاق والمقهى والحرفيين والصناع، واختلطت في وجدانه الأمثال الشعبية وقصائد الملحون والأذكار الصوفية، لتصبح العامية المغربية لاحقا لغته الشعرية الأساسية.
نشأ القادري في وسط اجتماعي وثقافي غني بالتراث الشفهي، وكان للمقهى البسيط الذي يملكه والده “سيدي أحمد” دور بارز في احتكاكه المبكر بعوالم الرجال وحكاياتهم وأشعارهم. كما تركت الزاوية القادرية وأجواء الحضرة والمديح والسماع أثرا واضحا في تجربته الإبداعية.
ويؤكد القادري أن اختياره الكتابة بالدارجة المغربية لم يكن قطيعة مع الأدب الفصيح، بل ثمرة تفاعل بين روافد متعددة، من الملحون والأغنية الشعبية إلى الشعر العربي الحديث الذي تعرف إليه خلال دراسته بثانوية النهضة في سلا.
وأصدر الشاعر أول دواوينه “حروف الكف” سنة 1995، قبل أن يقدم تجربة أكثر نضجا مع “غزيل البنات” سنة 2005، ثم مجموعتي “طير الله” سنة 2007 و”ترامواي” سنة 2015، في مسار سعى من خلاله إلى إثبات قدرة العامية على إنتاج لغة شعرية غنية بالاستعارة والإيقاع وتعدد المعاني.
ويرى القادري أن الزجل المغربي لا يزال حاضرا بقوة في المشهد الشعري، رغم اختلاف تجارب أجياله، من الرواد الذين استندوا إلى التراث والعاطفة، إلى أجيال جعلت تفاصيل الحياة اليومية والكتابة نفسها موضوعا للتجربة الشعرية.
ويستحضر الشاعر أسماء من رواد القصيدة الزجلية المغربية، من بينهم أحمد لمسيح وإدريس المسناوي ورضوان أفندي، كما يشيد بجيل جديد من الشعراء الذين واصلوا الاشتغال على العامية بأشكال وأساليب متنوعة.
ولم يقتصر اهتمام القادري بالزجل على الكتابة الإبداعية، بل امتد إلى البحث الأكاديمي، حيث ناقش أطروحة دكتوراه حول جمالية الكتابة في القصيدة الزجلية المغربية الحديثة، متخذا من تجربة أحمد لمسيح نموذجا للدراسة.
ويجمع القادري بين الإبداع والعمل الثقافي والجمعوي، إذ يشغل رئاسة بيت الشعر، ويساهم في إعداد مشاريع وشراكات ثقافية وتنظيم لقاءات أدبية تهدف إلى التعريف بالتجارب الشعرية المغربية ودعم حضورها.
وعلى الرغم من العلاقة الوثيقة بين الشعر العامي والوجدان الشعبي، يرى القادري أن التعاون بين شعراء الزجل وصناع الأغنية المغربية الحديثة ظل محدودا، مقارنة بما حققته تجارب سابقة لكتاب كلمات بارزين مثل أحمد الطيب لعلج وحسن المفتي وعلي الحداني.
وشكلت تجربة الإصابة بفيروس كوفيد محطة فارقة في حياة الشاعر، بعدما عاش عن قرب مشاهد الموت داخل المصحة، وهي التجربة التي دفعته إلى إعادة النظر في الحياة من زاوية أكثر هشاشة وعمقا، وأثمرت ديوانه “ومخبي تحت لساني ريحة الموت”، الذي حمل أثر الجائحة وتأملاتها الإنسانية والصوفية.












