أكدت أمل الفلاح السغروشني، الوزيرة المنتدبة لدى رئيس الحكومة المكلفة بالانتقال الرقمي وإصلاح الإدارة، أن المغرب اختار تطوير نموذج وطني خاص في مجال الذكاء الاصطناعي، يرتكز على السيادة الرقمية واستعمال اللغات الوطنية والبيانات المحلية والاستجابة للحاجيات الفعلية للمواطنين.
وأوضحت السغروشني، في مقال رأي نشرته على منصة “Project Syndicate”، أن المملكة لا تسعى إلى الدخول في سباق عالمي مكلف حول حجم القدرات الحاسوبية، بقدر ما تراهن على ما وصفته بـ”الطريق الثالث”، الذي يقوم على امتلاك التكنولوجيا وتكييفها مع الخصوصيات المغربية.
وترى المسؤولة الحكومية أن الذكاء الاصطناعي لا ينبغي أن يتحول إلى مجرد استعراض للتقدم التقني، بل إلى أداة عملية لمعالجة التحديات اليومية في قطاعات مثل التعليم والصحة والإدارة والفلاحة والصناعة والابتكار والصناعات الثقافية.
وأشارت إلى أن العديد من النماذج الرقمية العالمية ما تزال تعكس بدرجة كبيرة لغات وبيانات وأولويات الدول التي قامت بتطويرها، وهو ما يجعل استفادة باقي الدول منها مرتبطة بقدرتها على بناء سيادة فعلية على البيانات والتكنولوجيا.
وأضافت أن المغرب، بحكم موقعه بين إفريقيا وأوروبا والفضاء المتوسطي، يواجه خيارا استراتيجيا بين محاولة مجاراة القوى الكبرى في البنيات التحتية والحوسبة العملاقة، أو التركيز على تكوين الكفاءات وتنظيم البيانات وتطوير تطبيقات ذات أثر مباشر.
وأبرزت أن هذا التوجه يستند إلى خلاصات المناظرات الوطنية للذكاء الاصطناعي التي احتضنتها الرباط في يوليوز 2025، والتي ساهمت في تحديد أولويات المملكة في هذا المجال.
وفي قراءتها للمشهد الدولي، أوضحت السغروشني أن الولايات المتحدة تعتمد نموذجا تقوده الشركات التكنولوجية العملاقة ورؤوس الأموال الخاصة، في حين جعلت الصين الذكاء الاصطناعي جزءا من استراتيجيتها العالمية، بينما تسعى أوروبا إلى تحقيق توازن بين الابتكار والتنظيم.
وفي المقابل، يركز النموذج المغربي، بحسب الوزيرة، على بناء القدرات الوطنية وضمان السيادة على البيانات وتحقيق نتائج ملموسة للمواطنين.
وأشارت إلى أن هذا التصور يتجسد ضمن استراتيجية “المغرب الرقمي 2030” وخارطة الطريق “AI Made in Morocco”، من خلال الاستثمار في جودة البيانات وتنمية المهارات وتقوية المؤسسات واختيار مجالات استعمال ذات أولوية.
كما كشفت عن توجه المملكة نحو تطوير نماذج لغوية صغيرة وفعالة، باعتبارها أقل كلفة من النماذج اللغوية الضخمة وأكثر ملاءمة للاحتياجات المحلية.
وفي هذا السياق، أبرزت الشراكة مع شركة “Mistral AI” لتطوير نموذج لغوي مغربي يعتمد العربية والدارجة والأمازيغية، في خطوة تستهدف تعزيز السيادة اللغوية والرقمية للمملكة.
كما أشارت إلى مشروع “إدارتي IDARATI x.0” والمنصة الرقمية المستقبلية “إدارتي”، اللذين يهدفان إلى تحسين علاقة الإدارة بالمواطن وتوفير خدمات أكثر سرعة وفعالية وسهولة.
وعلى مستوى البنيات التحتية، أوضحت السغروشني أن المغرب يعتزم، في أفق 2030، تطوير مركز بيانات أخضر بمدينة الداخلة بطاقة تصل إلى 500 ميغاواط، إلى جانب منطقة سحابية فائقة السعة، فضلا عن تعزيز القدرات الحاسوبية الوطنية.
وأكدت أن هذه المشاريع تستهدف تمكين المملكة من التحكم بشكل أكبر في بياناتها وخوارزمياتها وخياراتها التكنولوجية، بالتوازي مع الاستثمار في الرأسمال البشري.
وفي هذا الإطار، يطمح المغرب إلى تكوين 100 ألف متخصص في المجال الرقمي سنويا بحلول سنة 2030، عبر مدارس هندسية وبرامج دكتوراه ومبادرات تستهدف الشباب.
واعتبرت الوزيرة أن الموقع الجغرافي للمملكة يمنحها فرصة للاضطلاع بدور مهم في الربط بين أوروبا والعالم العربي وإفريقيا والفضاء الأطلسي، خاصة في ظل الانقسامات المتزايدة في المشهد التكنولوجي العالمي.
كما شددت على أن إفريقيا تشكل سوقا ومجالا واعدا لتطوير الذكاء الاصطناعي، بالنظر إلى عدد سكانها الكبير وارتفاع نسبة الشباب وتزايد الطلب على الخدمات الرقمية في مجالات التعليم والصحة والإدارة والإدماج المالي والأمن الغذائي.
وأبرزت أن المغرب يطمح إلى المساهمة في بناء سيادة رقمية إفريقية من خلال تعزيز التعاون الإقليمي وتقاسم الخبرات وتطوير أطر مشتركة للحوكمة والثقة الرقمية.
وخلصت السغروشني إلى أن نجاح الدول في المستقبل لن يقاس بقدرتها على تقليد القوى التكنولوجية الكبرى، بل بمدى قدرتها على توظيف الذكاء الاصطناعي لتعزيز خصوصياتها الثقافية واللغوية وتحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية.












