تتصاعد المخاوف في الأسواق الأمريكية بشأن ارتفاع تقييمات الأسهم إلى مستويات تاريخية، في وقت تواصل فيه شركات التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي قيادة مؤشرات وول ستريت نحو قمم جديدة، ما أعاد إلى الواجهة المقارنات مع فقاعة الإنترنت في نهاية التسعينيات.
وسجل مؤشر «إس آند بي 500» مستوى قياسيا قرب 7798 نقطة في 13 غشت 2026، محققا مكاسب تناهز 13 في المائة منذ بداية العام، غير أن قوة المؤشر تخفي وراءها تركيزا متزايدا في عدد محدود من الشركات العملاقة.
وباتت أكبر عشر شركات تمثل نحو 40 إلى 41 في المائة من وزن المؤشر، مقارنة بحوالي 25 في المائة عند ذروة فقاعة «الدوت كوم» سنة 2000، ما يجعل أداء السوق أكثر ارتباطا بنتائج مجموعة صغيرة من شركات التكنولوجيا.
وتأتي إنفيديا في مقدمة هذه الشركات، بعدما أصبحت تستحوذ على أكثر من 8 في المائة من وزن المؤشر، بالتوازي مع ارتفاع قيمتها السوقية إلى مستويات تاريخية، مستفيدة من الطلب القوي على الرقائق المستخدمة في تشغيل نماذج الذكاء الاصطناعي ومراكز البيانات.
وفي الوقت نفسه، بلغت نسبة شيلر CAPE، التي تقيس أسعار الأسهم مقارنة بالأرباح المعدلة على مدى دورة اقتصادية طويلة، نحو 41.2 نقطة، وهي من أعلى المستويات المسجلة تاريخيا وتقترب من المستويات التي سبقت انفجار فقاعة الإنترنت.
لكن المقارنة مع عام 2000 ليست كاملة، إذ إن الشركات التي تقود موجة الصعود الحالية تحقق إيرادات وأرباحا ضخمة، على عكس عدد كبير من شركات الإنترنت التي وصلت آنذاك إلى تقييمات مرتفعة دون امتلاك نماذج أعمال مربحة.
وتظهر نتائج إنفيديا حجم هذا الاختلاف، في ظل النمو القوي لنشاط مراكز البيانات وارتفاع الطلب على البنية التحتية اللازمة للذكاء الاصطناعي، بينما رفعت مؤسسات مالية كبرى بدورها توقعاتها لأرباح الشركات الأمريكية خلال 2026.
ورغم قوة النتائج، بدأ المستثمرون ينظرون بقلق أكبر إلى إمكانية تشكل فقاعة مرتبطة بالذكاء الاصطناعي. وأظهر استطلاع لمديري الصناديق أن هذه القضية أصبحت من أبرز المخاطر التي يراقبها المستثمرون، مع انقسام واضح بشأن ما إذا كانت السوق قد دخلت فعلا مرحلة الفقاعة.
وقد لا يكون مصدر الخطر الرئيسي هو أسعار الأسهم وحدها، وإنما حجم الاستثمارات الضخمة الموجهة إلى مراكز البيانات والرقائق وشبكات الحوسبة والطاقة اللازمة لتشغيل تقنيات الذكاء الاصطناعي.
وتشير التقديرات إلى أن كبريات شركات التكنولوجيا تضخ مئات مليارات الدولارات في هذه البنية التحتية، ما يضع الأسواق أمام سؤال أساسي حول قدرة الأرباح المستقبلية على تحقيق عائد يبرر هذا الحجم غير المسبوق من الإنفاق.
وفي حال بدأت العائدات على مراكز البيانات والمشاريع المرتبطة بالذكاء الاصطناعي في التراجع عن التوقعات، فقد تجد الشركات نفسها أمام ضغوط لخفض الإنفاق، في وقت يمكن أن يؤدي ارتفاع تكلفة الاقتراض إلى زيادة المخاطر بالنسبة للمشاريع الممولة جزئيا بالديون.
وتزداد حساسية السوق بسبب الترابط الكبير بين مختلف مكونات قطاع الذكاء الاصطناعي، من مصنعي الرقائق ومشغلي مراكز البيانات إلى شركات الحوسبة السحابية والبرمجيات ومؤسسات التمويل، ما يعني أن تراجع الطلب في إحدى حلقات المنظومة قد ينتقل تدريجيا إلى باقي القطاعات.
وتعيد هذه الأوضاع إلى الأذهان تحذير رئيس الاحتياطي الفيدرالي الأسبق ألان غرينسبان سنة 1996 من «الحماس غير العقلاني» في الأسواق. ورغم أن الأسهم واصلت الصعود لسنوات بعد تحذيره، فإن فقاعة الإنترنت انفجرت في نهاية المطاف مع بداية الألفية.
ويكمن الاختلاف اليوم في أن الشركات الكبرى تتمتع بأرباح وميزانيات قوية، لكن ذلك لا يلغي المخاطر، بل يجعلها مرتبطة بشكل أكبر بقدرة هذه الشركات على مواصلة النمو وتحقيق عوائد كافية على استثمارات الذكاء الاصطناعي الضخمة.
وتواجه السوق خلال الأشهر المقبلة عدة محطات حاسمة، في مقدمتها نتائج شركات التكنولوجيا الكبرى وقرارات الاحتياطي الفيدرالي بشأن أسعار الفائدة، إضافة إلى تطور إنفاق الشركات على مراكز البيانات والبنية التحتية خلال 2027.
وفي حال استمرت الأرباح في النمو واستقرت تكاليف التمويل، فقد تتمكن الأسهم الأمريكية من الحفاظ على مستوياتها المرتفعة وربما تسجيل قمم جديدة. أما إذا تباطأت الأرباح أو خفضت الشركات استثماراتها أو ارتفعت أسعار الفائدة، فقد تتزايد احتمالات حدوث تصحيح قوي في السوق.
وبذلك، لا يمكن حسم الجدل حول وجود «فقاعة ذكاء اصطناعي» بمجرد ارتفاع الأسعار، إذ ستظل الأرباح والتدفقات النقدية والعائد على الاستثمارات وتكلفة التمويل هي المؤشرات الأساسية التي ستحدد ما إذا كانت وول ستريت تعيش بداية دورة نمو تكنولوجية طويلة، أم أنها تقترب من لحظة يصبح فيها التفاؤل أكبر من قدرة الاقتصاد والشركات على تبريره.











