لم تعد المنافسة بين الولايات المتحدة والصين في مجال الذكاء الاصطناعي تُحسم فقط بحجم الاستثمارات أو عدد الرقائق ومراكز البيانات، إذ تنتقل المعركة تدريجياً إلى جبهة أكثر حساسية بالنسبة للشركات والمستخدمين: تكلفة تشغيل النماذج وقدرتها على تقديم أداء قوي بأسعار منخفضة.
هذا التحول بدأ ينعكس على قرارات شركات أمريكية نفسها، بعدما اكتشفت شركات ناشئة أن اللجوء إلى نماذج صينية يمكن أن يوفر مبالغ كبيرة من دون التضحية بالقدرات المطلوبة في البرمجة وتطوير المنتجات. وتقدم تجربة شركة «بولسيا» الناشئة في سان فرانسيسكو مثالاً لافتاً، بعدما اتجه مؤسسها بن سيرا إلى نقل جزء كبير من عمليات البرمجة إلى نماذج صينية، ما أدى إلى خفض الإنفاق الشهري على خدمات الذكاء الاصطناعي من نحو مليون دولار إلى حوالي 100 ألف دولار.
وتكشف هذه التجربة عن تحول مهم في طريقة تقييم الشركات لنماذج الذكاء الاصطناعي. فبعدما كان التفوق التقني المعيار الأهم، أصبحت تكلفة الاستخدام وسرعة الاستجابة وإمكانية تشغيل النموذج محلياً ومرونة تخصيصه عوامل لا تقل أهمية عن نتائج اختبارات الأداء.
وخلال السنوات الماضية، رسخت الولايات المتحدة موقعها في صدارة صناعة الذكاء الاصطناعي بفضل استثمارات ضخمة، وقدرات حاسوبية متقدمة، ومختبرات أبحاث قوية، إضافة إلى استقطاب عدد كبير من المهندسين والباحثين المتخصصين. غير أن صعود نماذج صينية قادرة على تقديم أداء منافس بتكلفة أقل بدأ يغير قواعد المنافسة.
وتستفيد الشركات الصينية من استراتيجية تقوم بدرجة كبيرة على النماذج مفتوحة الأوزان، التي تتيح للمستخدمين تنزيل النموذج وتشغيله على خوادمهم الخاصة وفق شروط الترخيص. وتمنح هذه المقاربة الشركات والمطورين قدرة أكبر على التحكم في البيانات وتقليل الاعتماد على الخدمات السحابية التجارية، كما يمكن أن تخفض التكلفة بالنسبة إلى المؤسسات التي تستخدم الذكاء الاصطناعي على نطاق واسع.
ولم تعد النماذج الصينية تُنظر إليها باعتبارها خيارات منخفضة السعر فقط. فقد حققت نماذج مثل «Kimi K3» و«DeepSeek R1» تقدماً في مهام البرمجة والاستدلال، ما ساهم في تضييق الفجوة مع النماذج الأمريكية المتقدمة. كما ساعد انتشار النماذج مفتوحة الأوزان على توسيع قاعدة المستخدمين والمطورين، مع سعي شركات صينية، من بينها «علي بابا»، إلى بناء منظومات تقنية كاملة حول نماذجها.
وتشير بيانات الاستخدام الواردة إلى أن هذا الانتشار لم يعد محصوراً داخل السوق الصينية، إذ سجلت النماذج الصينية حضوراً قوياً في عدد من الأسواق العالمية. ففي سنغافورة، على سبيل المثال، بلغت حصة النماذج الصينية من الاستخدام نحو 63% مقابل 34% للنماذج الأمريكية، بينما وصلت حصتها في ألمانيا إلى 58% مقابل 33% للأمريكية. وفي هونغ كونغ، استحوذت النماذج الصينية، وفق البيانات نفسها، على نحو 98% من الاستخدام.
ولا تعني هذه الأرقام أن الصين تجاوزت الولايات المتحدة في جميع مؤشرات القوة، لكنها تعكس قدرة النماذج الصينية على الوصول إلى مستخدمين خارج سوقها المحلية، وهو تطور قد يساهم في بناء منظومة عالمية موازية للمنظومة التي طورتها شركات وادي السيليكون خلال السنوات الماضية.
وتبرز الأسعار كأحد أهم عناصر هذا التوسع. فالفارق بين تكلفة استخدام النماذج يمكن أن يكون حاسماً بالنسبة إلى الشركات التي تعتمد على الذكاء الاصطناعي في ملايين العمليات يومياً. وكل انخفاض في تكلفة معالجة الرموز ينعكس مباشرة على تكلفة تطوير المنتجات وتشغيلها، خصوصاً لدى الشركات الناشئة التي لا تمتلك ميزانيات ضخمة.
وتدفع المنافسة داخل السوق الصينية الشركات إلى خفض الأسعار بصورة مستمرة في محاولة لزيادة حصتها السوقية واستقطاب أكبر عدد ممكن من المستخدمين. وقد تؤدي هذه السياسة إلى ضغوط كبيرة على الأرباح، لكنها تمنح الشركات في المقابل فرصة لبناء قاعدة واسعة من المطورين والمستخدمين قبل أن تستقر سوق الذكاء الاصطناعي على نماذج أعمال أكثر وضوحاً.
ومع ذلك، لا يزال ميزان القوة المالية يميل بوضوح إلى الولايات المتحدة. فالشركات الأمريكية الكبرى تتمتع بتقييمات ضخمة وقدرة واسعة على تمويل الأبحاث ومراكز البيانات واستقطاب الكفاءات. وتمنح هذه الموارد واشنطن أفضلية مهمة في سباق يحتاج إلى استثمارات هائلة ومتواصلة.
لكن التفوق المالي لا يحسم وحده معركة الذكاء الاصطناعي. فإذا تمكنت الشركات الصينية من تقديم نماذج قريبة من حيث الأداء، ولكن بتكلفة أقل بكثير، فقد تجد الشركات العالمية نفسها أمام حافز اقتصادي قوي لاختيار البديل الأرخص، خصوصاً في المهام التي لا تتطلب بالضرورة أقوى نموذج متاح في السوق.
وتزداد أهمية هذا العامل مع تمييز السوق بين «مفتوح الأوزان» و«مفتوح المصدر». فإتاحة الأوزان لا تعني بالضرورة الكشف عن بيانات التدريب أو جميع تفاصيل تطوير النموذج، لكنها تسمح للمستخدم بتنزيله وتشغيله وتخصيصه وفق شروط الترخيص. وهذه الإمكانية تمنح المؤسسات مزيداً من السيطرة على بنيتها التحتية وبياناتها، وقد تساعدها على خفض تكاليف الخدمات السحابية.
في المقابل، تعتمد شركات أمريكية كبرى بدرجة كبيرة على نماذج مغلقة الأوزان، يتم الوصول إليها من خلال الاشتراكات أو واجهات برمجة التطبيقات. ويوفر هذا النموذج للشركات المطورة مستوى أعلى من التحكم، لكنه قد يرفع فاتورة الاستخدام لدى المؤسسات التي تحتاج إلى معالجة كميات ضخمة من البيانات والطلبات.
ولا يقتصر التحدي الصيني على الأسعار والنماذج، بل يمتد إلى البنية التحتية اللازمة لتشغيل الذكاء الاصطناعي. وتعمل بكين على توسيع مراكز البيانات وتعزيز قدراتها الحاسوبية، في وقت أصبحت فيه تكلفة الكهرباء والطاقة عاملاً أساسياً في اقتصاديات الصناعة، نظراً إلى الكميات الكبيرة من الطاقة المطلوبة لتدريب وتشغيل النماذج المتقدمة.
كما تتمتع الصين بميزة إضافية مرتبطة بتكلفة العمالة. وتشير البيانات الواردة إلى أن رواتب مهندسي النماذج اللغوية في بعض الشركات الصينية أقل بكثير من تكلفة المهندسين المماثلين في شركات أمريكية كبرى. ولا يمكن اختزال الفارق بين الطرفين في الأجور وحدها، لكن انخفاض تكلفة العمالة يظل عاملاً مؤثراً عند احتساب التكلفة الإجمالية للبحث والتطوير.
ورغم هذا الصعود، تحتفظ الولايات المتحدة بمواقع متقدمة في عدد من المجالات الرئيسية، بما فيها البرمجة وتوليد الصور وتطوير النماذج الأكثر تقدماً. كما تمتلك شركاتها منظومة متكاملة تجمع بين رأس المال والجامعات ومختبرات الأبحاث والبنية التحتية وشبكات المطورين، وهي عناصر يصعب بناء بدائل لها في فترة قصيرة.
وتواجه واشنطن في الوقت نفسه معضلة خاصة مع النماذج مفتوحة الأوزان. فإتاحة النموذج للتنزيل والتشغيل محلياً تجعل التحكم في انتشاره أكثر صعوبة، مقارنة بالخدمات السحابية التي يمكن تقييد الوصول إليها. كما أن الشركات الأمريكية نفسها قد تجد في بعض النماذج الصينية وسيلة لخفض تكاليفها، وهو ما يجعل الفصل بين الاعتبارات التجارية والأمنية أكثر تعقيداً.
ويأتي ذلك وسط جدل آخر بشأن أسباب التقدم الصيني. فقد وجهت شركات أمريكية اتهامات إلى مختبرات صينية بالاستفادة من مخرجات نماذج متقدمة عبر تقنيات مثل «التقطير» لتطوير نماذج أخرى، بينما يرى خبراء أن تفسير الصعود الصيني بالتقليد وحده يتجاهل حجم الاستثمارات في المواهب الهندسية والبحث العلمي وتطوير نماذج أكثر كفاءة في استهلاك موارد الحوسبة.
وفي جميع الأحوال، تبدو النتيجة واضحة: الصين لم تعد لاعباً ثانوياً في سوق الذكاء الاصطناعي العالمي، كما أن المنافسة لم تعد تدور حول من يملك النموذج الأكثر تطوراً فقط. فالمستخدمون والشركات يبحثون بصورة متزايدة عن النموذج الذي يقدم أفضل توازن بين الأداء والسعر والسرعة والمرونة.
ومن هنا قد تتخذ المرحلة المقبلة من السباق شكلاً مختلفاً عن السنوات السابقة. فبدلاً من التركيز حصراً على بناء النماذج الأكبر والأكثر تكلفة، ستصبح القدرة على خفض تكلفة التشغيل وتوسيع قاعدة المستخدمين وتحويل النموذج إلى منصة عالمية عوامل حاسمة في تحديد موقع كل طرف.
وبينما تواصل الولايات المتحدة ضخ الأموال في الأبحاث والبنية التحتية والحوسبة المتقدمة، تراهن الصين على استراتيجية مختلفة تقوم على الكفاءة والانتشار والأسعار المنخفضة والنماذج مفتوحة الأوزان. وإذا استمرت هذه الاتجاهات، فإن معركة الذكاء الاصطناعي بين القوتين قد تتحول تدريجياً من سباق على التفوق التقني إلى سباق أكثر اتساعاً على من يستطيع جعل الذكاء الاصطناعي أرخص وأكثر انتشاراً وربحية.











