صدر حديثا كتاب جديد باللغة الفرنسية للأستاذ الباحث بالمعهد الوطني لعلوم الآثار والتراث محمد عبد الجليل الهجراوي، يقدم من خلاله قراءة علمية في أصول الإنسان الثقافية والجذور العميقة التي ساهمت في تشكيل السلوك والذكاء البشري عبر التاريخ.
وينطلق الكتاب من أسئلة مركزية من قبيل: كيف أصبح الإنسان على ما هو عليه اليوم؟ ومتى بدأت التحولات التي قادت إلى ظهور أنماط السلوك المعروفة لدى الإنسان المعاصر؟
ويضم العمل ثلاثة تقديمات لعدد من أبرز الباحثين في مجالات ما قبل التاريخ والأنثروبولوجيا، من بينهم جون جاك هوبلان، الأستاذ بالكوليج دو فرانس وعضو أكاديمية العلوم، المعروف بأبحاثه المرتبطة بأقدم بقايا الإنسان العاقل المكتشفة بالمغرب.
كما يشارك في تقديم الكتاب كل من فرانسيسكو ديريكو، مدير الأبحاث بالمركز الوطني للبحث العلمي، ورولان نيسبولي، الباحث في عصور ما قبل التاريخ بالمتحف الوطني للتاريخ الطبيعي بباريس.
ويركز الكتاب على الدور المحوري للثقافة في تطور الإنسان، متجاوزا المقاربات التي تفسر هذا التطور من زاوية بيولوجية فقط، مع الاستناد إلى التطورات الحديثة في علم ما فوق الوراثة، التي أبرزت تأثير السلوك والبيئة والتجارب المتراكمة في مسار التطور البشري.
ويستند المؤلف إلى دراسة الأدوات التي صنعها الإنسان القديم وأشكالها وأنماط تكرارها، باعتبارها مؤشرات على وجود تصور مسبق وقدرات إبداعية وفنية لدى الجماعات البشرية الأولى.
ويقترح الكتاب توصيف هؤلاء الصناع الأوائل بـ«الإنسان الثقافي»، مع تقديم تصنيف زمني لتطور السلوك البشري يمر عبر مراحل «الإنسان الثقافي الجمالي»، ثم «الإنسان الثقافي الرمزي»، وصولا إلى «الإنسان الثقافي الاجتماعي».
ويؤكد المؤلف أن البقايا الأثرية، رغم طبيعتها الصامتة، قادرة على تقديم مؤشرات مهمة حول أنشطة الإنسان القديم وحاجياته وطريقة تفكيره ومستوى قدراته المعرفية، ما يسمح بإجراء مقارنات بين المجتمعات القديمة والحديثة.
ويخلص الكتاب إلى أن الجذور الثقافية للإنسان أقدم وأعمق مما كان يعتقد، معتبرا أن عدم امتلاك الإنسان القديم لتقنيات مماثلة لتلك المستخدمة حاليا لا يعني بالضرورة محدودية قدراته العقلية، بل يرتبط بالبيئة الاجتماعية والثقافية وغياب التراكم التقني والمعرفي الذي سمح لاحقا بظهور التقنيات الحديثة.
كما يبرز العمل أهمية المرونة الدماغية باعتبارها خاصية مشتركة بين الإنسان القديم والمعاصر، مبرزا أن التعلم والتراكم والابتكار شكلت عناصر أساسية في تطور السلوك الإنساني عبر آلاف السنين.
وفي هذا السياق، يطرح الكتاب فرضية قدرة إنسان ما قبل التاريخ على اكتساب بعض المهارات المرتبطة بالتقنيات الحديثة في حال توفر شروط التعلم والبيئة المناسبة، وهو ما يعكس استمرارية بين القدرات التصورية القديمة والذكاء التقني المعاصر.
وتتمحور الأطروحة الأساسية للكتاب حول اعتبار الثقافة القوة الرئيسية التي قادت تطور البشرية، مع الدعوة إلى الحفاظ على القيم والعناصر المشتركة بين البشر، وتشجيع تنوع أشكال التعبير الثقافي ومواصلة المسار الإبداعي الذي انطلق منذ مئات الآلاف من السنين.












