تواجه مقاولات البناء والأشغال العمومية بالمغرب تحديات مالية متزايدة، رغم الانتعاش الذي يشهده القطاع بفضل إطلاق مشاريع كبرى في مختلف جهات المملكة، في ظل توقعات بارتفاع حجم الاستثمار العمومي إلى 400 مليار درهم خلال سنة 2027، مقابل 380 مليار درهم سنة 2026.
وتأتي هذه الضغوط نتيجة الارتفاع المتواصل في أسعار مواد البناء والمحروقات، إلى جانب تأخر صرف مستحقات الصفقات العمومية، مما يؤثر على السيولة المالية للمقاولات وقدرتها على الوفاء بالتزاماتها تجاه العمال والموردين والمناولين.
وكشفت معطيات المندوبية السامية للتخطيط أن 28 في المائة من مسؤولي مقاولات البناء والأشغال العمومية وصفوا وضعية خزينتهم المالية بالصعبة خلال الفصل الثاني من سنة 2026، مقابل 30 في المائة خلال الفصل الأول.
ورغم هذه الصعوبات، سجلت القيمة المضافة للقطاع نموا بنسبة 2,8 في المائة خلال الفصل الثاني، بعد ارتفاع بلغ 1,5 في المائة خلال الأشهر الثلاثة السابقة، وهو ما يعكس استمرار النشاط الاقتصادي دون تحسن مماثل في الوضعية المالية لجميع المقاولات.
وتشير المعطيات المهنية إلى تسجيل زيادات تجاوزت 45 في المائة في أسعار الزفت، و30 في المائة في تكاليف الشحن البحري خلال فترة محددة من السنة، فيما ارتفعت أسعار الإسمنت بنسبة 18 في المائة والصلب بنسبة 8 في المائة منذ سنة 2024.
كما ساهم ارتفاع أسعار الغازوال في زيادة الأعباء التشغيلية، خاصة في أوراش الطرق والبنيات التحتية التي تعتمد بشكل كبير على الآليات الثقيلة والشاحنات ونقل المواد الأولية.
وفي هذا السياق، أوضح المحلل الاقتصادي محمد أمين العلوي المحمدي أن ارتفاع الاستثمار العمومي يوفر فرصا مهمة للمقاولات، لكنه لا يضمن بالضرورة تحسن وضعيتها المالية، خصوصا عندما تكون مطالبة بتمويل الأشغال مسبقا قبل استخلاص مستحقاتها.
وأضاف أن المقاولات الصغيرة والمتوسطة تعد الأكثر تأثرا بهذه الوضعية، بسبب محدودية احتياطياتها المالية وارتفاع تكاليف التمويل البنكي، مما قد يؤدي إلى تراجع هوامش أرباحها رغم حصولها على صفقات جديدة.
ومن جهته، أكد المقاول محمد بناصر أن الزيادات المتتالية في أسعار مواد البناء والمحروقات أصبحت تشكل تحديا حقيقيا أمام تنفيذ المشاريع، خاصة بالنسبة إلى الصفقات التي جرى الاتفاق على أسعارها قبل موجة الغلاء.
وأشار إلى أن تأخر المصادقة على كشوف الأشغال وصرف المستحقات يزيد من صعوبة تدبير خزينة المقاولات، التي تظل ملزمة بأداء الأجور وتسديد مستحقات الموردين وكراء المعدات والوفاء بالتزاماتها البنكية.
وتتزامن هذه التحديات مع استعداد المغرب لتنفيذ مشاريع استراتيجية تشمل تطوير الشبكات الطرقية والسككية، وتوسعة المطارات، وتأهيل المنشآت الرياضية، وإنجاز السدود ومحطات تحلية مياه البحر، إلى جانب مشاريع التهيئة الحضرية.
ويرتقب أن تستحوذ المؤسسات والمقاولات العمومية، بما فيها صندوق محمد السادس للاستثمار، على حصة مهمة من الاستثمار العمومي المبرمج لسنة 2027، بغلاف مالي يبلغ 251 مليار درهم.
وفي مواجهة هذه التحديات، يطالب مهنيون بتسريع إصلاح آليات مراجعة أسعار الصفقات العمومية، بما يسمح بملاءمة العقود مع التغيرات الفعلية في تكاليف المواد الأولية والطاقة.
كما يدعون إلى تقليص آجال المصادقة على الأشغال وتسوية المستحقات، وتسريع الإفراج عن الضمانات المالية، إلى جانب تسهيل حصول المقاولات على التمويل اللازم لمواصلة أنشطتها.
وتضاف إلى هذه الإكراهات صعوبات مرتبطة بنقص اليد العاملة المؤهلة وارتفاع الطلب على التقنيين وسائقي الآليات ورؤساء الأوراش، نتيجة تزامن إنجاز عدد من المشاريع الكبرى بمختلف مناطق المملكة.
ويحذر مهنيون من أن استمرار الضغوط المالية قد يدفع بعض المقاولات الصغيرة والمتوسطة إلى تقليص مشاركتها في طلبات العروض أو تأجيل استثماراتها في المعدات والتوظيف، مما قد يؤثر على وتيرة إنجاز المشاريع.
وتبرز هذه المعطيات أهمية مواكبة الطفرة الاستثمارية بإجراءات مالية وتنظيمية تضمن استقرار المقاولات الوطنية، وتساعدها على الاستفادة من المشاريع العمومية دون تعريض توازناتها المالية للخطر، خاصة مع اقتراب مواعيد إنجاز عدد من الأوراش الاستراتيجية المرتبطة بالاستحقاقات الدولية المقبلة.












