تواجه انطلاقة الموسم الفلاحي الجديد في عدد من مناطق شمال المغرب تحديات متزايدة، رغم تحسن الظروف المناخية والتساقطات المطرية التي تبشر بموسم واعد، بعدما دفعت الزيادة في أسعار المحروقات والأسمدة وتكاليف الإنتاج عدداً من الفلاحين إلى التفكير في التخلي عن زراعة أراضيهم، خصوصاً في حوض اللوكوس والمناطق المتضررة من الفيضانات.
وتكشف المعطيات الميدانية المسجلة بإقليم العرائش، خاصة بمدينة القصر الكبير والجماعات القروية المجاورة، عن تباطؤ ملحوظ في عمليات الحرث وإعداد الأراضي الزراعية، في ظل ارتفاع المصاريف التي باتت تثقل كاهل الفلاحين، وتضع قدرتهم على مواصلة نشاطهم أمام اختبار صعب.
ويعزو مهنيون هذا التراجع أساساً إلى الارتفاع الكبير في أسعار المحروقات، التي تجاوزت 17 درهماً للتر، وهو ما انعكس مباشرة على تكلفة استعمال الجرارات والآليات الفلاحية. فقد ارتفع سعر ساعة الحرث إلى ما بين 200 و250 درهماً، بعدما كان في حدود 150 درهماً خلال الفترات السابقة.
وفي هذا السياق، أوضح الفلاح محمد الدامون، من ضواحي القصر الكبير، أن الجرار يستهلك نحو 8 لترات من المحروقات في الساعة، ما يجعل تكلفة الوقود وحده تصل إلى 136 درهماً، دون احتساب مصاريف الصيانة والتشغيل، معتبراً أن هذه الأعباء أصبحت تفوق الإمكانيات المالية لعدد كبير من الفلاحين.
وأضاف أن أسعار بيع المحاصيل الفلاحية، من قبيل القمح والشمندر السكري والحمص وغيرها، لم تعد تواكب الارتفاع المسجل في تكاليف الإنتاج، الأمر الذي يقلص هامش الربح ويجعل الاستمرار في النشاط الفلاحي أكثر صعوبة، خصوصاً بالنسبة للفلاحين الصغار.
ودعا المتحدث إلى تدخل الدولة لإقرار دعم مباشر للفلاحين، على غرار الإجراءات المعتمدة لفائدة مهنيي النقل، مشدداً على أن الفلاحة تمثل قطاعاً استراتيجياً يرتبط بالأمن الغذائي وتوفير المواد الأساسية للسوق الوطنية.
كما حذر من أن استمرار ارتفاع تكاليف الإنتاج وتراجع الدعم قد يدفع المزيد من الفلاحين إلى التخلي عن استغلال أراضيهم، مشيراً إلى أن تداعيات الأزمة بدأت تظهر أيضاً في تراجع الطلب على كراء الأراضي الفلاحية، نتيجة الصعوبات المالية التي تواجه المستثمرين والمنتجين الصغار.
من جهته، أكد عبد السلام البياري، رئيس غرفة الفلاحة بجهة طنجة–تطوان-الحسيمة، أن وضعية الفلاحين الصغار أصبحت تستدعي تدخلاً عاجلاً، في ظل الارتفاع المتواصل لأسعار المحروقات والأسمدة، وما يترتب عنه من زيادة في كلفة العمليات الزراعية منذ بداية الموسم.
وأوضح البياري أن أصحاب الجرارات يطالبون حالياً بحوالي 250 درهماً مقابل ساعة واحدة من الحرث، بعدما كانت التكلفة لا تتجاوز 150 درهماً، معتبراً أن هذه الزيادة قد تدفع عدداً من الفلاحين إلى عدم حرث أراضيهم أو تأجيل زراعتها بسبب غياب الإمكانيات المالية الكافية.
وشدد رئيس الغرفة على ضرورة إقرار دعم موجه للقطاع الفلاحي، لمساعدة المنتجين على مواجهة ارتفاع أسعار المحروقات، مبرزاً أن استهلاك الطاقة في الأنشطة الزراعية يشكل عبئاً كبيراً لا يقل أهمية عن تكاليف الوقود التي يتحملها قطاع النقل.
وتضع هذه الوضعية الموسم الفلاحي الجديد أمام تحديات تتجاوز العوامل المناخية، إذ باتت القدرة على تحمل تكاليف الإنتاج عاملاً حاسماً في تحديد مدى انخراط الفلاحين في عمليات الزراعة، وسط مطالب بتدابير دعم تحافظ على استمرارية النشاط الفلاحي وتحمي الإنتاج الوطني.












