تواجه القدرة الشرائية للأسر المغربية احتمالات ضغوط جديدة خلال سنة 2027، في ظل توقعات بارتفاع أسعار المواد الغذائية في الأسواق الدولية، نتيجة استمرار التوترات الجيوسياسية واضطراب سلاسل الإمداد العالمية، إلى جانب التقلبات المناخية التي تهدد الإنتاج الزراعي في عدد من المناطق، وهو ما يضع الاقتصاد الوطني أمام تحديات إضافية في مواجهة التضخم المستورد وتداعياته على تكاليف المعيشة والإنتاج.
وحذر البنك الدولي، في تقريره الأخير حول آفاق أسواق المواد الأولية الصادر في أكتوبر 2026، من موجة جديدة من ارتفاع أسعار المنتجات الغذائية، متوقعا زيادة بنسبة 10 في المائة خلال السنة الجارية، قبل تسجيل ارتفاع إضافي بنحو 7 في المائة خلال سنة 2027، ما يعادل زيادة تراكمية تقارب 17,7 في المائة خلال سنتين.
وتأتي هذه التوقعات في سياق دولي يتسم بتداخل مجموعة من العوامل المؤثرة على الأسواق، أبرزها استمرار النزاعات في الشرق الأوسط ومنطقة البحر الأسود، واضطراب صادرات الحبوب والزيوت، فضلا عن المخاطر المناخية المرتبطة بظاهرة “النينيو”، التي قد تؤثر على إنتاج عدد من المحاصيل الزراعية الأساسية.
وتكتسي هذه التطورات أهمية خاصة بالنسبة للمغرب، بالنظر إلى ارتباط تموين السوق الوطنية بواردات عدد من المواد الغذائية، خصوصا القمح اللين والذرة والزيوت النباتية، ما يجعل أي ارتفاع في الأسعار الدولية مرشحا للانعكاس على تكاليف الاستيراد والإنتاج والتوزيع، وصولا إلى أسعار المنتجات الموجهة للاستهلاك النهائي.
وتزداد حدة هذه المخاوف في ظل الضغوط التي تعرفها المبادلات الخارجية للمملكة، بعدما بلغت الفاتورة الطاقية 111,59 مليار درهم عند متم شتنبر الماضي، مسجلة ارتفاعا بنسبة 37 في المائة، بالتزامن مع اتساع العجز التجاري إلى 323,94 مليار درهم، وهو ما يعكس حجم التحديات المرتبطة بارتفاع تكلفة الواردات.
ورغم تحسن المحصول الوطني من الحبوب، الذي بلغ نحو 90 مليون قنطار، فإن استمرار ارتفاع الأسعار العالمية قد يحد من المكاسب المنتظرة من هذا التحسن، خاصة أن تكاليف الإنتاج الفلاحي والصناعات الغذائية تظل مرتبطة بأسعار المحروقات والأسمدة والنقل وعدد من المدخلات المستوردة.
وفي هذا السياق، توقع البنك الدولي ارتفاع أسعار الحبوب بنحو 9 في المائة خلال سنة 2027، نتيجة تراجع الظروف الزراعية الملائمة لإنتاج القمح والأرز، إلى جانب استمرار الاضطرابات التي تواجه الصادرات الروسية والأوكرانية، اللتين تمثلان معا نحو 30 في المائة من صادرات القمح العالمية.
كما رجح التقرير ارتفاع أسعار الزيوت والمواد المشتقة من البذور الزيتية بنسبة 8 في المائة خلال السنة المقبلة، بفعل تنامي الطلب على الأعلاف والوقود الحيوي، فضلا عن المخاطر المناخية التي تهدد إنتاج زيت النخيل في عدد من البلدان الآسيوية.
وامتدت مراجعة التوقعات التصاعدية إلى عدد من المنتجات الأساسية، حيث رفع البنك الدولي تقديراته لأسعار زيت النخيل بنسبة 15 في المائة، والأرز بنسبة 21 في المائة، والسكر بنسبة 12 في المائة، مقارنة بالتقديرات الصادرة في أبريل الماضي، بسبب المخاوف المرتبطة بتراجع المحاصيل نتيجة الجفاف والفيضانات.
ومن شأن هذه التطورات أن تزيد الأعباء على الصناعات الغذائية المغربية، خصوصا المقاولات التي تعتمد على الحبوب والزيوت والسكر والمواد الأولية المستوردة، في وقت قد تجد فيه صعوبة في امتصاص ارتفاع تكاليف الإنتاج دون اللجوء إلى مراجعة أسعار البيع أو تقليص هوامش الأرباح.
وفي المقابل، أشار التقرير إلى أن الإمدادات العالمية من الحبوب خلال موسم 2026-2027 قد تظل أعلى بنحو 3 في المائة مقارنة بموسم 2024-2025، وهو ما قد يساهم في الحد من حدة الارتفاعات، رغم استمرار المخاطر المرتبطة بتفاوت الإنتاج واضطراب حركة التجارة الدولية.
وعلى مستوى الطاقة، توقع البنك الدولي تراجع متوسط سعر برميل النفط من نوع برنت من 91 دولارا خلال سنة 2026 إلى 79 دولارا في 2027، غير أن هذا الانخفاض المرتقب لا يعني بالضرورة تراجع تكاليف المحروقات بالوتيرة نفسها، خصوصا في ظل الاضطرابات التي تعرفها أسواق المنتجات النفطية المكررة، مثل الغازوال ووقود الطائرات.
كما توقع ارتفاع أسعار الطاقة بنسبة 32 في المائة خلال السنة الجارية، قبل انخفاضها بنسبة 12 في المائة خلال السنة المقبلة، فيما ينتظر أن تسجل أسعار الأسمدة زيادة بنسبة 14 في المائة خلال 2026، قبل أن تعود إلى مستويات قريبة من تلك المسجلة سنة 2025، في حال تحسنت الإمدادات وتراجعت تكاليف الطاقة.
وحذر البنك الدولي، في المقابل، من احتمال تحقق سيناريو أكثر تشاؤما خلال سنة 2027، في حال تزامن تصعيد النزاعات الجيوسياسية مع اضطرابات جديدة في إمدادات النفط وتدهور الظروف المناخية، ما قد يدفع أسعار النفط إلى حدود 105 دولارات للبرميل، أي بزيادة تقارب 33 في المائة مقارنة بالتوقعات الأساسية.
وفي الحالة المغربية، قد يؤدي تحقق هذا السيناريو إلى زيادة إضافية في فاتورة الواردات الغذائية والطاقية، مع انعكاسات محتملة على تكاليف النقل والإنتاج الصناعي والفلاحي، فضلا عن ارتفاع الضغوط على الميزان التجاري والقدرة الشرائية للأسر.
وتأتي هذه التحذيرات في وقت تشير فيه توقعات بنك المغرب إلى إمكانية حصر معدل التضخم في حدود 1,5 في المائة خلال سنة 2027، غير أن بلوغ هذا المستوى يظل مرتبطا بتطور أسعار المواد الغذائية والمحروقات في الأسواق الدولية، فضلا عن عوامل داخلية تتعلق بالإنتاج الفلاحي ومستويات العرض والطلب.
ويرى التقرير أن المخاطر المحيطة بتوقعات الأسعار تظل مائلة نحو الارتفاع، بفعل احتمال تزامن الصدمات الغذائية والطاقية والمناخية، مقابل إمكانية تراجع الأسعار في حال التوصل إلى تسويات دائمة للنزاعات أو تسجيل تباطؤ في النمو الاقتصادي العالمي.
وتضع هذه المعطيات الاقتصاد المغربي أمام اختبار جديد خلال سنة 2027، يتمثل في الحد من انتقال التضخم المستورد إلى السوق الوطنية، والحفاظ على القدرة الشرائية للأسر، بالتوازي مع حماية تنافسية المقاولات وضمان استقرار تكاليف التموين والإنتاج، في ظل استمرار ارتباط عدد من المواد الأساسية بالتقلبات التي تشهدها الأسواق العالمية.












