متابعة : خالد علواني
في خطوة ذات طابع ثقافي وتاريخي عميق، احتضنت مدينة خنيفرة أيام 25 و26 يوليوز 2025، فعاليات النسخة الثانية من المعرض الوطني للطوابع البريدية والمسكوكات والتحف، التي نظمتها جمعية أطلس للمحافظة على التراث، بشراكة مع جماعة خنيفرة ومؤسسة بريد المغرب، تحت شعار: “الطوابع المختومة والمسكوكات المنقوشة مرآة المجد والوفاء لتاريخ المغرب العميق.” وقد شهدت التظاهرة حضورا رسميا ومجتمعيا وازنا، تقدمه السيد باشا المدينة والنائب الثالث لجماعة خنيفرة محمد أورديل، إلى جانب عدد من أعضاء المجلس الجماعي والسيد عيسى عقاوي رئيس الغرفة التجارة والصناعة والخدمات بخنيفرة، وممثلين عن جمعيات مهتمة بجمع الطوابع والمسكوكات من مختلف المدن المغربية، حيث تحوّل بهو الجماعة إلى فضاء مفتوح على الذاكرة الوطنية، يجمع بين الجمالية البصرية والبعد التاريخي.
عشرات المعروضات النادرة استوقفت زوار المعرض، من طوابع بريدية تحمل بصمات زمنية دقيقة، ومسكوكات نقدية تعود إلى فترات مختلفة من تاريخ المغرب، إلى تحف تراثية ذات دلالات رمزية ترتبط بتحولات المجتمع المغربي عبر العصور. كان واضحا أن المنظمين لم يهدفوا فقط إلى عرض هذه المواد، بل إلى إعادة الاعتبار لذاكرة الأشياء الصغيرة التي شكلت في مجملها معالم التاريخ الوطني، في بعده المادي واللامادي. وما زاد من عمق التظاهرة، تنظيم ندوة علمية موازية، شارك فيها ثلة من الباحثين والمؤرخين، بينهم الأساتذة سلام الحجام، الحسين أكضى، وإدريس السويني، الذين توقفوا في مداخلاتهم عند أدوار الطوابع والمسكوكات كأدوات توثيق صامتة ترصد تحولات الاقتصاد المغربي، وتساعد في قراءة التطور السياسي والاجتماعي والثقافي للبلاد.
المداخلات تناولت قضايا دقيقة تمثل صلب تاريخ المغرب العميق، من بينها دور منجم عوام القديم في تأسيس دار سك النقود بمنطقة فزاز، وتحليل الرمزية الفنية والسياسية للمسكوكات القديمة في الأطلس المتوسط، والتطرق لمحطات أساسية في تاريخ البريد المغربي منذ العهد السلطاني إلى فترة ما بعد الاستقلال. أدار أشغال الندوة الإعلامي المهتم بالتراث منصف البدوي، الذي أضفى عليها طابعا تواصليا جعلها أكثر انفتاحا على مختلف فئات الحضور، خاصة فئة الشباب والتلاميذ، الذين أظهروا تفاعلا كبيرا ومفاجئا أحيانا في عمقه ووعيه بأهمية التراث كأداة لبناء الهوية.
في كلمته الافتتاحية، أكد رئيس جمعية أطلس، السيد رشيد ترياح، على أهمية جعل التراث جزءا من المشروع التربوي للمجتمع المغربي، مشددا على أن الذاكرة ليست مجرد سرد ماضوي، بل رافعة لمعركة الانتماء والوعي الجماعي، وأن الدفاع عنها هو دفاع عن الذات الوطنية بكل مقوماتها الثقافية والتاريخية. وقد عكست التظاهرة بشكل عام تعطش المجتمع المحلي لمثل هذه المبادرات، خاصة في ظل حاجة المدن المتوسطة إلى مشاريع ثقافية ذات طابع نوعي، تكون قادرة على إعادة الاعتبار للموروث المشترك في بعده المعرفي وليس فقط الجمالي أو الفولكلوري.
إن النسخة الثانية من المعرض الوطني للطوابع والمسكوكات بمدينة خنيفرة لم تكن مجرد عرض لمقتنيات قديمة، بل شكلت فعلا ثقافيا ومعرفيا بامتياز، أعاد للواجهة رموزا وصورا وذاكرة مطبوعة على ورق ونقود وتحف، لكنها تختزن سردية وطنية غنية ومتعددة الأبعاد. لقد نجحت هذه المبادرة في تحويل التراث إلى أداة حية للتربية والتكوين، وأكدت أن الاحتفاء بالماضي ليس نوستالجيا عابرة، بل ممارسة معرفية ضرورية لصياغة الحاضر واستشراف المستقبل.
بهذا تكون خنيفرة قد قدمت نموذجا يحتذى به في كيف يمكن لمدينة متوسطة أن تساهم في صيانة الذاكرة الجماعية، وتربط الأجيال بجذورها، وتثبت أن التراث لا يعيش في المتاحف فقط، بل يسكن الوعي، ويتنفس في تفاصيل الحياة اليومية، ويضيء الطريق نحو وطن يقرأ ماضيه ليكتب مستقبله بثقة واعتزاز.












