تُعد ذكرى استرجاع إقليم وادي الذهب، التي يخلدها المغاربة في الرابع عشر من غشت من كل عام، إحدى المحطات البارزة في مسار استكمال الوحدة الترابية للمملكة. هذا الحدث لم يكن مجرد إجراء إداري أو مكسب ظرفي، بل شكل تتويجاً لمسار طويل من النضال السياسي والدبلوماسي والميداني، قاده المغرب دفاعاً عن سيادته التاريخية على أقاليمه الجنوبية.
استرجاع وادي الذهب سنة 1979 جاء بعد أقل من أربع سنوات على تنظيم “المسيرة الخضراء” في نونبر 1975، التي جسدت إجماع الشعب المغربي حول قضية الصحراء المغربية، وأدت إلى استرجاع إقليم الساقية الحمراء بموجب اتفاق مدريد الثلاثي. أما وادي الذهب، الذي ظل تحت السيطرة الإسبانية حتى أواخر السبعينيات، فقد استعاد المغرب سيادته عليه بطريقة سلمية، عقب مبايعة وفود الأعيان والوجهاء المحليين للملك الراحل الحسن الثاني بمدينة الرباط، مؤكدين ارتباطهم التاريخي بالدولة المغربية ومؤسساتها الشرعية.
تحمل هذه الذكرى دلالات عميقة على مستوى الوحدة الوطنية، إذ أبرزت قدرة المغرب على استرجاع أقاليمه الجنوبية دون اللجوء إلى القوة العسكرية، معتمداً على الشرعية التاريخية والروابط الروحية والسياسية التي جمعت سكان المنطقة بالعرش العلوي. كما أظهرت قدرة الدبلوماسية المغربية على توظيف الإجماع الشعبي لتعزيز موقع البلاد في المحافل الدولية، في وقت كانت فيه القضية تواجه تحديات وضغوطاً إقليمية ودولية معقدة.
شكلت محطة وادي الذهب نقطة انطلاق لمسار متجدد من العمل الدبلوماسي الذي أثمر خلال العقود اللاحقة عن اعتراف متزايد بسيادة المغرب على صحرائه. فقد تمكنت المملكة من كسب دعم قوى دولية مؤثرة، وإقامة مشاريع تنموية كبرى في الأقاليم الجنوبية، فضلاً عن فتح قنصليات عامة لعدد متزايد من الدول بمدينة الداخلة والعيون خلال السنوات الأخيرة، وهو ما يعكس التحول الجيوسياسي لصالح الموقف المغربي.
لم يتوقف المغرب عند تحقيق المكاسب الرمزية والسياسية، بل واصل الاستثمار في البنية التحتية والخدمات الاجتماعية بالأقاليم الجنوبية، بما فيها وادي الذهب. فقد أطلقت الدولة مشاريع مهيكلة في مجالات الطاقة المتجددة، والصيد البحري، والسياحة، والتعليم، لخلق فرص الشغل وتحقيق تنمية مستدامة تعزز الارتباط العضوي بين المنطقة وباقي جهات المملكة.
تمثل ذكرى استرجاع وادي الذهب أكثر من مجرد صفحة مشرقة في التاريخ المعاصر للمغرب؛ إنها عنوان لوحدة وطنية راسخة، وإشارة إلى نجاح خيار المغرب في الجمع بين الشرعية التاريخية والدبلوماسية الذكية والتنمية الميدانية. وهي مناسبة لتجديد التأكيد على التزام المملكة بمواصلة الدفاع عن وحدتها الترابية، مع تعزيز التنمية الشاملة في أقاليمها الجنوبية، باعتبارها أفضل رد على كل المناورات التي تستهدف سيادتها ووحدتها الوطنية.












