في لحظة إنسانية مشحونة بالعاطفة والحزن، وبعد ساعات قليلة من تشييع جنازة أحمد الزفزافي، والد المعتقل السياسي ناصر الزفزافي، برز موقف جديد من داخل أسوار السجن حمل في طياته رسالة واضحة تعكس حس المسؤولية والوعي الجماعي لدى معتقلي حراك الريف. فقد نقل طارق الزفزافي، شقيق ناصر، تدوينة عبر صفحته الرسمية على موقع التواصل الاجتماعي فيسبوك، جاء فيها أن معتقلي الحراك بسجن طنجة اثنين يعتبرون رمي رجال الأمن بالحجارة فعلاً مداناً لا يليق بمقام الجنازة، ولا يحترم رمزية الحدث وما يختزنه من مشاعر إنسانية عميقة.
هذا الموقف الذي خرج من خلف القضبان، لم يكن مجرد رد فعل عابر، بل حمل في مضمونه دلالات قوية على وعي المعتقلين السياسيين بضرورة الحفاظ على السلمية التي شكلت منذ البداية جوهر الحراك الشعبي بالريف. فاختيارهم التبرؤ من أي سلوك عنيف أو غير مسؤول خلال هذه اللحظة العصيبة، يعكس حرصهم على إبقاء رسالة الحراك وفية لنهجها القائم على السلمية والاحترام المتبادل، بعيداً عن أي منزلق قد يشوش على نبل القضية التي ضحوا من أجلها بحريتهم.
كما يبرز هذا الموقف البعد الأخلاقي والإنساني لمعتقلي الحراك، الذين أكدوا أنهم رغم معاناتهم الطويلة في السجون، لا يزالون متمسكين بالقيم التي انطلقوا منها، وفي مقدمتها نبذ العنف واحترام الرموز والمقامات الإنسانية. فالجنازة في عرفهم ليست ساحة للصراع أو لتصفية الحسابات، بل لحظة وداع ووقفة تأمل تستوجب الخشوع، وهو ما شددوا عليه بوضوح عبر رسالتهم.
لقد جاء تصريح طارق الزفزافي ليضع حداً لأي تأويلات قد ترافق تلك الأحداث، وليؤكد أن المعتقلين أنفسهم لا يقبلون بأن يتم استغلال جنازة والدهم لإثارة الفوضى أو مواجهة السلطات بأسلوب يسيء إلى صورة الحراك. بل أكثر من ذلك، فإن موقفهم يشكل دعوة صريحة لكل المتعاطفين والفاعلين إلى التمسك بالهدوء والحكمة في التعبير عن مطالبهم، حفاظاً على وحدة الصف وحماية لجوهر القضية من أي تشويه.
ويكشف هذا الموقف أيضاً عن حرص عائلة الزفزافي على إيصال صوت المعتقلين للشارع والرأي العام، حتى لا يبقى المجال مفتوحاً أمام القراءات المغرضة أو التأويلات غير الدقيقة. فإصرار طارق على نشر التدوينة في توقيت حساس، يعكس رغبة العائلة في توجيه الأنظار إلى أن الحراك لم يكن يوماً مشروعاً عنيفاً، وإنما صرخة من أجل العدالة الاجتماعية والكرامة الإنسانية.
إن التباين بين مشهد الجنازة وما رافقه من توتر محدود، وبين صوت المعتقلين الخارج من خلف القضبان الرافض لأي شكل من أشكال العنف، يعيد التأكيد على أن جوهر الحراك في الريف ظل مرتبطاً بسلمية المواقف وسمو الأهداف، وأن أي محاولة لإقحام مظاهره في العنف أو الفوضى لا تعبر سوى عن سلوكيات معزولة لا تمثل لا المعتقلين ولا رسالتهم.
إن ما خطه معتقلو حراك الريف من موقف في هذه اللحظة التاريخية، يشكل درساً بليغاً في المسؤولية والالتزام الأخلاقي، ويؤكد أن نبل القضايا لا يُقاس فقط بحدة المطالب، وإنما بقدرة أصحابها على التمسك بالسلام حتى في أشد لحظات الألم والمعاناة.












