في أجواء يطغى عليها عبق التراث ودفء الروحانية، احتفل المصريون هذا الأسبوع بذكرى المولد النبوي الشريف، مناسبة تجمع بين البعد الديني والبعد الاجتماعي، لتتحول إلى طقس شعبي حاضر بقوة في مختلف أنحاء البلاد.
مع اقتراب الثاني عشر من ربيع الأول، تزداد شوارع المدن المصرية حيوية، حيث تنتشر الزينة والأضواء وتُعرض “عروسة المولد” و”حصان السكر” في المحلات والأسواق الشعبية، في مشهد يعيد للأذهان صور الطفولة وذكريات الأجيال الماضية.
ورغم تغير أنماط الحياة وتسارع وتيرة العصر، يظل المولد مناسبة تعيد الروابط الأسرية إلى الواجهة، حيث تجتمع العائلات حول “حلوى المولد” الشهيرة كالحمصية والسمسمية والمشبك، وسط أجواء ممزوجة بالفرح والروحانية.
لا يقتصر المولد على الطقوس الدينية والاجتماعية، بل يشكل أيضا فرصة اقتصادية موسمية للتجار وصناع الحلوى. ففي القاهرة والجيزة مثلا، تسجل محلات الحلويات إقبالا متزايدا مع اقتراب الذكرى. ويقول محمد عبد العال، صانع حلوى بمدينة 6 أكتوبر، إن “الموسم يعد فرصة ذهبية للعاملين في هذا القطاع”، مؤكدا أن المهنة تحمل بعدا ثقافيا وتراثيا يتجاوز مجرد التجارة.
في الأسواق الشعبية كسوق السيدة زينب والعتبة، يظل المولد محتفظا بروحه التقليدية، حيث تعرض الحلوى بألوان زاهية وبأسعار تناسب مختلف الفئات. أما في المراكز التجارية الراقية بالقاهرة الجديدة والشيخ زايد، فتُطرح “علب المولد” الفاخرة بتصاميم أنيقة ومحتويات متنوعة، غالبا ما تُقدَّم كهدايا بين الأقارب وزملاء العمل.
منال، موظفة في الخمسينيات من عمرها، ترى أن المولد يعكس “روح المجتمع المصري الذي يجد في المناسبات الدينية فرصة للتلاقي وتجديد الروابط”. في المقابل، تعتبر جنى، شابة في الثالثة والعشرين، أن “الحضور العاطفي للمناسبة تراجع بين جيل الشباب”، مشيرة إلى أن الاحتفال يحتاج إلى أساليب جديدة أقرب إلى واقعهم، مثل الحملات التوعوية أو المبادرات التطوعية.
في الصعيد، يتخذ المولد طابعا أكثر بساطة. العم خلف من أسوان يؤكد أن “الاحتفال هنا أكثر هدوءا وروحانية، حيث تتركز الأنشطة على حلقات الذكر وتوزيع الطعام على المحتاجين”، معتبرا أن جوهر المناسبة في الجنوب يتمثل في التضامن المجتمعي وغرس حب النبي في نفوس الأبناء.
بين الأحياء الشعبية والمراكز التجارية الحديثة، وبين القاهرة وأسوان، يظل المولد النبوي الشريف مناسبة فريدة توحد المصريين بمختلف طبقاتهم، حيث تختلط الفخامة بالبساطة، والاحتفال الديني بالبعد الاجتماعي، لتجدد قيم المحبة والتسامح التي تميز هذه المناسبة العزيزة.












