في زمن طغت فيه السرعة الرقمية وتراجعت فيه عادة القراءة داخل الفضاءات العمومية، تبرز مبادرات فردية تعيد للثقافة دفئها وحميميتها. من بين هذه المبادرات فكرة “المقهى الشبه الثقافية” التي أطلقها السيد رضوان رشدي صاحب مقهى بلادي، حيث مزج بين القراءة، والفن، والمكان اليومي الذي يرتاده الناس. مبادرة بسيطة في ظاهرها، لكنها تعكس رؤية مختلفة لدور المقهى كتجربة اجتماعية وثقافية.
في هذا الحوار، نتعرف على تفاصيل الفكرة، أثرها على الزبائن، وتطلعات صاحب المقهى نحو نشر هذا النموذج في فضاءات أخرى.
كيف ولدت فكرة إنشاء مكتبة داخل المقهى وإضافة لوحات لعلماء وكتّاب؟
الفكرة لم تأتِ صدفة. يقول السيد رضوان:
“بحكم أنني محب للقراءة، لاحظت أن الجلوس في المقهى مع فنجان قهوة ومشاهدة التلفاز فقط لا يضيف الكثير للإنسان فكرياً. ومع تراجع حضور الجرائد الورقية، فكرت في تعويضها بمكتبة صغيرة داخل المقهى. أردت أن يكون المكان فضاءً للراحة ولكن أيضاً للمعرفة.”
إضافةً إلى ذلك، قام بتعليق لوحات لعلماء وكتّاب كبار، اعتقاداً منه بأن “الفضاء يؤثر في السلوك”، وأن وجود رموز العلم والإبداع يمنح المكان روحاً مختلفة.
هل هناك فعلاً إقبال على قراءة الكتب داخل المقهى؟
يؤكد صاحب المقهى أن الإقبال فاق توقعاته:
“نعم، هناك عشّاق للكتب، منهم طلبة، وأكاديميون، وباحثون. البعض يأتي خصيصاً من أجل القراءة، ليس فقط لتناول القهوة.”
ويضيف أن أجواء الهدوء النسبي داخل المقهى ساهمت في تحويله إلى نقطة التقاء لناس يطلبون لحظات صفاء فكري بعيداً عن الضوضاء.
ما أنواع الكتب المتوفرة في مكتبة المقهى؟

يوضح السيد رضوان:
حاولت توفير تنوّع كبير: كتب في علم النفس، التجارة، التنمية الذاتية، القانون، التاريخ والفلسفة. هناك أيضاً روايات عربية وعالمية لأن فئة من الشباب تفضل هذا النوع.”
كما يشير إلى أنه يعمل دورياً على تجديد الكتب عبر الإهداءات التي يقدمها بعض الزبائن الذين أحبوا الفكرة.
ماذا لاحظت بعد إنشاء المكتبة داخل المقهى؟ ما التغييرات التي برزت؟

يبتسم رضوان قبل أن يجيب:
“أول ما لاحظته هو تغيّر نوعية روّاد المقهى. ارتفع الإقبال من طرف المتقاعدين، الموظفين، والطلبة. بعض الزبائن أصبحوا يطيلون الجلوس لأنهم يقرؤون، وهذا يمنح المكان حياة جديدة.”
ومن الملاحظات المثيرة أنه سجّل انخفاضاً في نسبة التدخين داخل المقهى:
“بعض المدخنين قلّلوا أو أقلعوا عن التدخين تدريجياً، لأنهم أصبحوا منشغلين بالقراءة، وهذا كان مفاجأة جميلة.”
كما لاحظ أن بعض الزبائن أصبحوا أكثر هدوءاً وميلاً للنقاشات الهادئة بدل النقاشات الصاخبة المعتادة في المقاهي.
ما هي نصيحتك لأرباب المقاهي الأخرى؟

يقول بثقة:
“أتمنى أن تعمّم الفكرة على باقي المقاهي والمطاعم. الأمر لا يحتاج ميزانية كبيرة، لكنه يغيّر صورة المقهى من فضاء للاستهلاك فقط إلى فضاء للثقافة. نحن قادرون كأصحاب مقاهي أن نساهم في الارتقاء بالوعي ونشر المعرفة.”
مبادرة السيد رضوان ليست مجرد ديكور مختلف أو فكرة تجارية، بل هي اقتناع بأن الثقافة يمكن أن تعود إلى تفاصيل حياتنا اليومية. مقهى “بلادي” أصبح نموذجاً صغيراً لكيفية خلق فضاءات تجمع الناس حول القراءة والفن، وتعيد للمقهى دوره التاريخي كمركز للنقاش والتفكير.
هي تجربة تستحق الاحتفاء، وربما تكون بداية لثقافة مقاهٍ جديدة عنوانها: “القهوة بالمعرفة ألذ”.












