الرباط – أكد وزير النقل واللوجستيك عبد الصمد قيوح، اليوم الاثنين 16 فبراير 2026 بالرباط، أن البحث العلمي يشكل ركيزة أساسية لتطوير استراتيجيات السلامة الطرقية المبنية على الأدلة، بما يسمح بفهم أعمق للعوامل السلوكية والإدراكية وتقييم نجاعة التدخلات واقتراح حلول مبتكرة تراعي الخصوصيات السوسيو-اقتصادية.
جاء ذلك خلال ندوة دولية حول موضوع “مستعملو الدراجات النارية: بين إدراك المخاطر والسلوك”، تنظمها الوكالة الوطنية للسلامة الطرقية بشراكة مع جامعة محمد السادس متعددة التخصصات التقنية ومنظمة الصحة العالمية على مدى يومين، حيث شدد الوزير على أن حصيلة الوفيات في صفوف مستعملي الدراجات النارية، التي تبلغ نحو 2300 قتيل سنوياً، “معطى لا يمكن التعامل معه إلا بروح المسؤولية” وباعتماد مقاربة علمية تؤسس لحلول قائمة على المعرفة والمعطيات الدقيقة.
وأبرز قيوح أن المعطيات الإحصائية النهائية لسنة 2025 أبانت أن مستعملي الدراجات ثنائية وثلاثية العجلات أصبحوا يمثلون قرابة 45 في المائة من مجموع قتلى حوادث السير بالمغرب، مسجلاً أن عدد القتلى ضمن هذه الفئة ارتفع بنسبة 63.04 في المائة بين سنتي 2015 و2024، مقابل تراجع بلغ 27.50 في المائة في عدد القتلى لدى باقي الفئات مجتمعة (باستثناء الراجلين ومستعملي الدراجات بمحرك). واعتبر أن هذه المؤشرات تؤكد ضرورة إعادة توجيه جزء مهم من التدخلات العمومية نحو حماية هذه الفئة الأكثر عرضة للمخاطر، عبر سياسات عملية تستند إلى الأدلة العلمية وتفهم أنماط السلوك بدل الاكتفاء بالمقاربات التقليدية.
من جهته، سلط وزير التعليم العالي والبحث العلمي والابتكار عز الدين الميداوي الضوء على الدور المركزي للبحث العلمي في تنوير القرار العمومي المتعلق بالسلامة الطرقية، مبرزاً أن البحث يتيح إنتاج معرفة تجريبية صلبة وتحليل تمثلات المخاطر وآليات اتخاذ القرار، وتقييم فعالية التدابير، وتطوير أدوات النمذجة والتحليل، إلى جانب مقاربات بيداغوجية قادرة على التأثير الإيجابي في سلوك مستعملي الطريق، بما ينعكس على تقليص الوفيات والإصابات وحالات الإعاقة.
وفي السياق ذاته، ذكّر الميداوي ببرنامج أُطلق سنة 2015 بمبادرة من وزارة النقل واللوجستيك بشراكة مع قطاع التعليم العالي، أشرف على تنفيذه المركز الوطني للبحث العلمي والتقني، وأسفر عن تمويل 13 مشروع بحث بغلاف مالي إجمالي قدره 15 مليون درهم، بما ساهم في إنتاج معارف داعمة لصناعة القرار وتطوير أدوات للتحليل والنمذجة وتعزيز الخبرة الوطنية.
وأكدت مديرة المركز جميلة العلمي أن الاستثمار في البحث العلمي والتكنولوجي يظل من أهم الروافع لإحداث أثر إيجابي على سلامة الطرقات، مشددة على ضرورة تمويل برامج مخصصة وتعزيز الشراكات والتعاون وطنياً ودولياً. وأوضحت أن برنامجاً خاصاً تم إطلاقه سنة 2015 بدعم مالي إجمالي بلغ 10 ملايين درهم مكّن من تمويل 13 مشروعاً، أثمر خمسة براءات اختراع مودعة ومقبولة، وسبعة نماذج أولية، وتسع منصات إلكترونية.
بدوره، اعتبر المدير العام للوكالة الوطنية للسلامة الطرقية بناصر بولعجول أن السلامة الطرقية “تحد لا يمكن رفعه” بالمقاربات الزجرية أو التحسيسية وحدها، بل يتطلب تحليلاً دقيقاً للسلوك البشري والبنيات التحتية والمنظومة التقنية للمركبات، داعياً إلى بناء منظومة متكاملة تجمع الجامعة والمؤسسات العمومية والقطاع الخاص لتحويل نتائج البحث إلى حلول ملموسة تنقذ الأرواح. كما شدد على أن الذكاء الاصطناعي والبيانات الضخمة أدوات عملية للتنبؤ بالمخاطر والتدخل قبل وقوع الحوادث.
ومن جانب منظمة الصحة العالمية، وصف ممثلها نان تران حوادث السير بأنها “وباء صامت” يحصد أرواح الملايين سنوياً، مذكراً بأن حوادث الطرق تعد سبباً أولاً للوفاة لدى الفئة العمرية بين 5 و29 سنة عالمياً، ومثمناً الدينامية التي يشهدها المغرب عبر الانتقال نحو مقاربات قائمة على الأدلة. كما دعا إلى تبني “المقاربة الآمنة” التي تأخذ الخطأ البشري بعين الاعتبار، وتربط سلامة الطرق بتصميم البنية التحتية والمركبات على نحو يحمي مستعملي الطريق، على أن يكون ذلك مسنوداً ببيانات دقيقة وبحث علمي رصين.
وتتوزع أشغال الندوة على محاور علمية تتناول دور السلوك الإنساني في تعزيز استراتيجيات السلامة، وتأثير إدراك مستعملي الطريق لبيئتهم الطرقية على سلوكهم، وإسهام التجهيزات والبنيات التحتية في توجيه السلوك والحد من المخاطر، إضافة إلى محور خاص بمستعملي الطريق عديمي الحماية والابتكارات الكفيلة بحمايتهم، مع جلسة تقنية حول تدبير سلوك السائقين، وبمشاركة فاعلين مؤسساتيين وباحثين وخبراء دوليين وممثلين عن القطاع الخاص والمجتمع المدني.












