تعد مكتبة آل حيبلتي بمدينة الداخلة واحدة من أبرز المعالم الثقافية والعلمية بالصحراء المغربية، إذ شكلت على مدى عقود طويلة فضاء للعلم ومرجعا للباحثين وطلبة المعرفة، بما تختزنه من مخطوطات نادرة ووثائق تاريخية ومؤلفات ذات قيمة علمية كبيرة.
ولا تمثل هذه المكتبة مجرد فضاء لحفظ الكتب، بل تعد ذاكرة حية تعكس عمق ارتباط أهل الصحراء المغربية بالعلم والفقه المالكي والتصوف السني وعلوم اللغة والتاريخ والأدب، كما تجسد استمرارية تقليد علمي عريق حافظت عليه الأسرة المؤسسة عبر الأجيال.
وفي هذا السياق، أوضح المشرف على المكتبة محمد محمود حيبلتي أن جذور هذا الصرح الثقافي تعود إلى أواخر القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين، حين أسسها الجد الأكبر الشيخ محمد حبيب الله بن حيبلتي، قبل أن تتعزز مكانتها في مرحلة لاحقة مع الشيخ محمد عبد القادر حيبلتي، الذي نشأ في بيئة علمية وكرس حياته للعلم والتعليم.
وأشار إلى أن المكتبة ظلت منذ نشأتها مفتوحة في وجه طلبة العلم، تؤدي رسالتها في نشر المعرفة واستقبال الباحثين، باعتبار ذلك التزاما علميا وأخلاقيا واجتماعيا دأبت الأسرة على صونه جيلا بعد جيل.
وتضم المكتبة رصيدا مهما من المخطوطات والكتب النفيسة في مجالات متعددة، من بينها الفقه وعلوم الشريعة والتاريخ والشعر والأدب، إلى جانب أرشيف قضائي وتاريخي مهم يفوق عشرة آلاف وثيقة، بالنظر إلى اشتغال أفراد من الأسرة في مجال القضاء لعقود طويلة.
كما تحتفظ المكتبة بمصاحف مخطوطة قديمة، من أبرزها مصحف يتجاوز عمره ثلاثة قرون، إلى جانب عدد من المؤلفات العلمية والصوفية التي خلفها الشيخ محمد عبد القادر حيبلتي، والذي يعد من الأسماء البارزة في مجالات العلوم الشرعية والشعر والمديح النبوي.
ومن بين ما يميز هذا الإرث العلمي أيضا، ديوان شعري ضخم يضم حوالي 2400 قصيدة في الثناء على الله تعالى، فضلا عن أعمال أخرى في القضاء والفرائض وتجويد القرآن الكريم، ما يجعل المكتبة خزانا معرفيا متنوعا يجمع بين العلم الشرعي والأدب والتاريخ.
وأصبحت مكتبة آل حيبلتي اليوم قبلة للباحثين وطلبة الماستر والدكتوراه، بفضل اتفاقيات شراكة أبرمتها مع عدد من الجامعات المغربية، من بينها جامعات محمد الخامس وعبد المالك السعدي وابن طفيل وابن زهر والقاضي عياض، بهدف مواكبة البحث العلمي وتوفير الموارد الضرورية للدارسين.
وتواصل المكتبة أداء هذا الدور من خلال استقبال الباحثين على مدار الساعة واحتضان أنشطة وفعاليات علمية وثقافية بشكل منتظم، مما عزز مكانتها كمركز إشعاع علمي وثقافي في جهة الداخلة.
وفي بعدها الروحي، تشهد المكتبة ختمات منتظمة للقرآن الكريم طوال السنة، تتكثف خلال شهر رمضان المبارك، في مشهد يعكس امتداد رسالتها العلمية والروحية في آن واحد.
ورغم التطورات الرقمية المتسارعة، تحرص المكتبة على الحفاظ على الصلة المباشرة بالكتاب والمخطوط، إيمانا بقيمة هذا التراث المادي وما يحمله من رمزية علمية وثقافية، مع التأكيد على أهمية الاستفادة من التكنولوجيا بشكل متوازن يخدم المعرفة دون أن يلغي روح المطالعة التقليدية.
وهكذا تظل مكتبة آل حيبلتي بالداخلة نموذجا حيا لمؤسسة علمية حافظت على أصالتها عبر الزمن، ونجحت في صون ذاكرة علمية وثقافية غنية، لتبقى منارة مضيئة لكل من يقصدها بحثا عن المعرفة واستكشافا لكنوز التراث المغربي.












