تواجه الواحات المغربية، خصوصا في الجنوب الشرقي، تحديات بيئية متزايدة تهدد استمراريتها، في ظل توالي سنوات الجفاف، وتراجع الموارد المائية، واتساع رقعة التصحر، إلى جانب الضغط الذي تفرضه بعض الزراعات المستهلكة للمياه.
وتعد واحات وادي درعة من أبرز المناطق المتضررة، بعدما كانت لسنوات طويلة مجالا حيويا غنيا بأشجار النخيل والزراعات التقليدية. غير أن ندرة المياه وتراجع منسوب الفرشات الجوفية جعلا هذا النظام البيئي الهش يدخل مرحلة صعبة، تتجلى في جفاف الأشجار وتقدم الرمال نحو المساحات المزروعة.
وفي مناطق مثل محاميد الغزلان، أصبحت آثار التدهور واضحة للعيان، حيث فقدت أجزاء واسعة من الواحة مظهرها الأخضر، وتحولت بعض المساحات التي كانت عامرة بالنخيل والغطاء النباتي إلى أراض قاحلة تنتشر فيها الجذوع اليابسة والكثبان الرملية الصغيرة.
ويعود هذا التحول إلى عوامل متعددة، من بينها قلة التساقطات، وارتفاع الضغط على المياه الجوفية، إضافة إلى توسع زراعات تحتاج إلى كميات كبيرة من المياه، في مناطق تعاني أصلا من هشاشة مائية حادة.
ولم تكن هذه الواحات على هذا الوضع في العقود الماضية، إذ كان وادي درعة يشكل مصدرا أساسيا للحياة، وكانت الزراعة الواحية تقوم على نظام متوازن يجمع بين نخيل التمر، وأشجار الفاكهة، والزراعات القريبة من سطح الأرض، بما يوفر موارد عيش مستقرة لعدد كبير من الأسر.
غير أن انهيار هذا التوازن لم يعد يطرح إشكالا بيئيا فقط، بل أصبح له أثر مباشر على الحياة الاجتماعية والاقتصادية للسكان. فقد أدى تراجع الإنتاج الفلاحي إلى فقدان عدد من الأسر لمصدر دخلها الأساسي، ودفع بعض الشباب إلى مغادرة المناطق الواحية بحثا عن فرص عمل في المدن.
كما تسبب تراجع النشاط الفلاحي في إضعاف نقل المعارف التقليدية المرتبطة بتدبير المياه وصيانة السواقي وتنظيم الري، وهي خبرات كانت تشكل جزءا مهما من الثقافة المحلية ومن قدرة الواحات على الصمود.
ومع استمرار هذا الوضع، باتت بعض الدواوير تعاني من فراغ بشري تدريجي خلال فترات من السنة، ما يزيد من صعوبة الحفاظ على البنيات التقليدية للري والزراعة، ويجعل مستقبل الواحات أكثر ارتباطا بمدى قدرة السياسات العمومية على حماية الماء، وتنظيم الزراعات، ودعم السكان المحليين.
وتكشف هذه التحولات أن إنقاذ الواحات لم يعد خيارا بيئيا فقط، بل ضرورة اجتماعية واقتصادية للحفاظ على مناطق عريقة شكلت عبر قرون فضاءات للحياة والإنتاج والتوازن بين الإنسان والطبيعة.












