متابعة: محمد امزيان لغريب
ما جرى في نهائي كأس إفريقيا للأمم بين المغرب والسنغال لم يكن تعثرًا عابرًا في الانضباط، بل سقوطًا كاملًا في اختبار القيم. نهائي يُفترض أن يكون ذروة التنافس القاري انتهى مسلوب الروح، بعدما اختار الطرف السنغالي—لاعبين وطاقمًا—الهروب من كرة القدم إلى الفوضى.
الخشونة لم تكن وسيلة لعب، بل سياسة. الاعتراض لم يكن رد فعل، بل أسلوب ضغط. ومحاولات التأثير على الحكم لم تكن لحظات غضب، بل سلوكًا ممنهجًا هدفه جرّ المباراة خارج منطقها الطبيعي. في كل دقيقة، كان هناك سعي واضح لتعويض العجز الفني بالصراخ والاحتكاك والتشويش. هذا ليس تنافسًا… هذا إفساد متعمّد لمباراة نهائية.
الأدهى أن دكة البدلاء، التي يُفترض أن تكون عقل الفريق، تحولت إلى بؤرة توتر. حين يغيب ضبط النفس عن القيادة، يصبح الانفلات نتيجة منطقية داخل الملعب. وهنا لا يعود الحديث عن أخطاء أفراد، بل عن عقلية ترى في الضغط غير المشروع بديلًا عن اللعب.
وفي المدرجات، ساهمت تصرفات غير منضبطة في استكمال المشهد القاتم. نهائي قاري ليس ساحة فوضى ولا منصة لتصدير الغضب. ما حدث أساء للفرجة، وللتنظيم، ولصورة بطولة تبحث منذ سنوات عن الاحترام الدولي.
في المقابل، وقف المنتخب المغربي في الجهة الأخرى من المعادلة: انضباط مقابل تشويش، تركيز مقابل استفزاز، لعب مقابل ضجيج. لم ينجرف، لم يردّ بالمثل، ولم يسمح بتحويل المباراة إلى معركة أعصاب. هذا الفارق لم يكن تفصيلاً، بل إدانة صريحة لعقلية اختارت الطريق الأسهل: كسر الإيقاع بدل صنع اللعب.
الأخطر من كل ذلك هو صمت الاتحاد الإفريقي لكرة القدم، أو تعامله الرمادي مع ما حدث. عندما تُترك السلوكيات غير الرياضية بلا ردع حاسم في نهائي قاري، فهذه ليست إدارة بطولة، بل مشاركة غير مباشرة في إفراغها من معناها. القوانين لا تُطبَّق حسب هوية الخصم أو حساسية اللحظة، وإلا تحوّلت المنافسة إلى مسرح عبث.
لا يمكن تبرير هذا الانهيار السلوكي بالتحكيم، ولا بضغط النهائي، ولا بحرارة المنافسة. هذه أعذار مستهلكة. المنتخبات الكبيرة تُعرف عندما تخسر أعصابها… أو عندما تضبطها. وما حدث كان اختيارًا واعيًا للفوضى على حساب كرة القدم.
نهائي المغرب والسنغال لم يخسر بسبب نتيجة، بل بسبب سلوك. والرسالة التي خرج بها المشهد واضحة ومقلقة: حين يُكافأ الانفلات بالصمت، تُعاقَب اللعبة. وإذا لم يتحرّك “الكاف” بصرامة، فلن تكون هذه الحادثة الأخيرة، بل نموذجًا يتكرر، وتدفع كرة القدم الإفريقية ثمنه من سمعتها ومصداقيتها.
هذا لم يكن نهائيًا يليق بالقارة. بل كان تحذيرًا.












