متابعة : محمد امزيان لغريب
في عام 2026، لا ينبغي لأي مواطن مغربي أن يُضطر إلى تبرير رغبته في البقاء في قريته أو دواره. فالانتماء إلى الجبل ليس ترفًا ولا نزوة عابرة، بل هو امتداد للهوية والتاريخ والروابط الاجتماعية. غير أن الفيضانات الأخيرة التي ضربت مناطق من شمال المغرب، خصوصًا في إقليم شفشاون، أعادت إلى الواجهة سؤالًا قديمًا متجددًا: هل تحظى المناطق الجبلية بالقدر نفسه من الحماية والاعتبار الذي تحظى به المراكز الحضرية الكبرى؟
لقد كشفت الكارثة هشاشة البنية التحتية في عدد من الدواوير الجبلية؛ طرق مقطوعة، قناطر منهارة، منازل جرفتها السيول، وأسر وجدت نفسها بين ليلة وضحاها بلا مأوى. صحيح أن الفيضانات ظاهرة طبيعية، لكن تحوّلها إلى مأساة إنسانية يرتبط في الغالب بضعف التخطيط الاستباقي، وغياب الصيانة الدورية للمنشآت، وقصور سياسات تدبير المخاطر.
من الناحية القانونية والمؤسساتية، يتوفر المغرب على آليات للتدخل في مثل هذه الحالات، من أبرزها صندوق التضامن ضد الوقائع الكارثية، الذي أُنشئ لتأمين تعويض المتضررين من الكوارث الطبيعية. غير أن الإشكال لا يكمن في وجود النصوص، بل في فعالية التنزيل وسرعة الاستجابة وعدالة الولوج إلى التعويضات. فالتعويض ليس منّة ولا إحسانًا، بل حق يضمنه مبدأ المساواة بين المواطنين، كما ينص عليه دستور المملكة المغربية في فصوله المتعلقة بالعدالة الاجتماعية والتضامن وتكافؤ الفرص.
المناطق الجبلية، بحكم طبيعتها الجغرافية، أكثر عرضة للفيضانات والانجرافات. وأي وادٍ قد يتحول، في غياب منشآت وقائية فعالة، إلى تهديد وجودي لدوار بأكمله. وعندما تُرفض مبادرات التضامن المدني بدعوى “المساطر”، فإننا نكون أمام مفارقة مؤلمة: تنظيم إداري مشروع يتحول إلى عائق أمام الاستجابة الإنسانية العاجلة. لا أحد يعارض التنظيم، لكن في لحظات الطوارئ يجب أن تُفعَّل مساطر استثنائية سريعة توازن بين الشفافية والنجاعة.
الأثر الأعمق لهذه الكوارث لا يقف عند الخسائر المادية، بل يمتد إلى التحولات الديمغرافية والاجتماعية. فالأسر التي تفقد مساكنها تضطر في كثير من الأحيان إلى النزوح نحو المدن، لتلتحق بأحياء تعاني أصلًا من الهشاشة والاكتظاظ. هناك يبدأ مسار جديد من الهشاشة: عمل غير مهيكل، تمدرس متعثر بسبب ضعف البنية التعليمية في الأصل، وانقطاع مبكر عن الدراسة نتيجة بُعد المؤسسات التعليمية وغياب النقل المدرسي. وهكذا تتفاقم ظاهرة الهجرة القروية، وتتعقد إشكالات التمدن غير المنظم، في حلقة مفرغة تربط بين الهشاشة البيئية والهشاشة الاجتماعية.
إن الجبل ليس عبئًا على الدولة، بل هو رصيد استراتيجي: خزان مائي طبيعي، ورافعة للتنوع البيئي، وعمق ثقافي وحضاري. لذلك فإن العدالة المجالية لا يمكن أن تبقى شعارًا سياسيًا، بل ينبغي أن تتحول إلى سياسات عمومية ملموسة:
-تقييم علمي ودقيق للمخاطر الطبيعية في المناطق الجبلية.
-استثمارات حقيقية في البنية التحتية المقاومة للكوارث، لا حلول ترقيعية موسمية.
-تسريع مساطر التعويض وضمان وصولها إلى جميع المتضررين دون تمييز.
-إدماج المقاربة الاجتماعية في سياسات إعادة الإعمار، بما يحفظ كرامة الساكنة ويمنع النزوح القسري.
إن اختبار الدولة الحديثة لا يكون في المدن الكبرى فقط، بل في قدرتها على حماية مواطنيها في أقصى الجبال وأبعد الدواوير. فالمغربي في الجبل ليس مواطنًا من درجة ثانية، والتعويض عن الأضرار حق قانوني وأخلاقي، لا فضل فيه لأحد. والرهان الحقيقي هو أن لا تتحول كل فيضانات قادمة إلى إعادة إنتاج للمأساة ذاتها، بل إلى محطة لتصحيح الاختلالات وبناء نموذج تنموي أكثر إنصافًا واستدامة.












