متابعة : هدى الهيشو كزيرة
لم تعد كرة القدم مجرد نشاط رياضي أو مساحة للترفيه الجماهيري، بل تحولت في العديد من السياقات إلى أداة تأثير سياسي واجتماعي، تُستثمر رمزية انتصاراتها في تشكيل الوعي العام وتوجيه المزاج الشعبي. وفي الحالة المغربية، تبرز هذه الظاهرة بوضوح من خلال تفاعل الدعاية الخارجية المرتبطة بالإنجازات الرياضية، وعلى رأسها المشاركات القارية والدولية، مع ديناميات الشارع والرأي العام.
وتبدأ هذه العملية عادة من الملاعب، حيث تتحقق الإنجازات التي تثير مشاعر الفخر والانتماء لدى فئات واسعة من المجتمع. وقد شكل الأداء اللافت للمنتخب الوطني في مونديال قطر 2022 نموذجًا بارزًا لكيفية تحول الحدث الرياضي إلى مادة ذات أبعاد سياسية غير مباشرة. إذ رافق هذا الإنجاز خطاب إعلامي مكثف، ركز على تقديمه كدليل على نجاح النموذج الوطني في مجالات تتجاوز الرياضة، في إطار سردية شاملة تعزز صورة الاستقرار والتقدم.
وتلعب الدعاية الخارجية، في هذا السياق، دورًا محوريًا في تضخيم هذه النجاحات وإعادة تأطيرها ضمن خطاب وطني جامع. ويتم ذلك عبر توظيف وسائل الإعلام الرسمية وشبه الرسمية، إلى جانب منصات التواصل الاجتماعي، لتكريس صورة إيجابية عن المؤسسات القائمة، وربط التفوق الرياضي بخيارات سياسية أو برمزية الدولة. وغالبًا ما تُستخدم لغة مشحونة بالدلالات الوطنية، ورموز ثقافية ودينية، لدمج الانتماء الرياضي بالانتماء الوطني العام.
ولا يقتصر هذا الخطاب على الاحتفاء بالنتائج، بل يتعداه إلى بناء سردية وطنية متكاملة، يتم فيها تقديم الرياضة كنتاج مباشر لدعم الدولة ومؤسساتها، مع إبراز أدوار رمزية عليا في رعاية القطاع الرياضي. ويتيح هذا التوظيف للرياضة تمرير رسائل سياسية بشكل غير مباشر، دون الدخول في خطاب صدامي أو مثير للانقسام.
ومع تصاعد هذا الخطاب، ينتقل التأثير من الفضاء الإعلامي إلى المجال العام، حيث يشهد الشارع المغربي موجات من الاحتفال الجماعي عقب الإنجازات الكروية. ويُنظر إلى هذه التعبئة الشعبية، التي تبدو في ظاهرها عفوية، على أنها نتيجة مباشرة لتراكم خطاب تعبوي سابق. كما تساهم هذه اللحظات في إعادة توجيه اهتمام الرأي العام، ولو مؤقتًا، بعيدًا عن القضايا الاجتماعية والاقتصادية الضاغطة، نحو حالة من الإجماع العاطفي والاحتفاء الجماعي.
غير أن هذا النوع من التعبئة يظل، في الغالب، ظرفيًا ومرتبطًا بزمن الحدث الرياضي. ورغم ما يخلقه من إحساس مؤقت بالوحدة الوطنية وارتفاع منسوب الثقة العامة، فإن أثره لا يدوم طويلًا، سرعان ما يتراجع مع عودة النقاشات المرتبطة بالواقع المعيشي والاختلالات البنيوية.
وفي العصر الرقمي، تواجه هذه الاستراتيجية الدعائية تحديات متزايدة، إذ لم تعد الرسالة الرسمية هي الصوت الوحيد في الفضاء العام. فقد أضحت منصات التواصل الاجتماعي فضاءً مفتوحًا لقراءات مضادة، يتم من خلالها مساءلة الخطاب السائد، وطرح قضايا من قبيل الحكامة الرياضية، وتدبير الموارد، والتفاوتات الاجتماعية التي لا تنعكس في صورة الوحدة الوطنية المعروضة. وهو ما يجعل أي تجاهل لهذه الأصوات النقدية عاملًا مهددًا لمصداقية الخطاب الدعائي.
كما أن المبالغة في توظيف الإنجازات الرياضية قد ترفع منسوب التوقعات لدى الرأي العام، وتحوّل كل نجاح إلى معيار شامل لتقييم الوضع الوطني. وفي المقابل، فإن أي إخفاق رياضي قد ينعكس سلبًا على المعنويات العامة، ويكشف هشاشة التعبئة المبنية على منجزات ظرفية لا تستند إلى أسس اجتماعية واقتصادية متينة.
في المحصلة، تكشف العلاقة بين الدعاية الرياضية وتعبئة الشارع المغربي عن تداخل معقد بين الفخر الوطني المشروع والاستثمار السياسي للعاطفة الجماعية.
فالرياضة تشكل نقطة انطلاق لإنتاج رموز قوية، تعمل الآلة الدعائية على تضخيمها وتوظيفها ضمن خطاب يهدف إلى تعزيز التلاحم والاستقرار. غير أن استدامة هذا التأثير تظل رهينة بمدى قدرة السياسات العمومية على الاستجابة لتطلعات المواطنين خارج إطار الملاعب، حتى لا تتحول لحظات التعبئة العاطفية إلى موجات إحباط لاحقة.












