متابعة: محمد امزيان لغريب
لم يكن ظهور محمد سعد برادة مجرد لقطة عابرة داخل مناسبة رسمية، بل تحول في ساعات قليلة إلى عاصفة سياسية وثقافية فجّرت نقاشاً صاخباً حول هوية الدولة المغربية وطبيعة النخب التي تدير واحدة من أكثر الوزارات حساسية وتأثيراً في مستقبل البلاد. فالمغاربة الذين تابعوا الوزير وهو يتعثر في تركيب جمل باللغة العربية، مقابل طلاقة واضحة في الحديث بالفرنسية، لم يروا في المشهد مجرد ارتباك لغوي، بل اعتبروه صورة مكثفة لأزمة أعمق تعيشها المدرسة والإدارة والسياسة في المغرب منذ عقود.
الواقعة أعادت إلى الواجهة سؤالاً ظل معلقاً منذ الاستقلال: كيف يمكن لوزير يقود قطاع التربية والتعليم أن يبدو عاجزاً عن التواصل السلس بلغة الدستور والشارع المغربي؟ وكيف تحولت الفرنسية، التي ارتبطت تاريخياً بمرحلة الحماية، إلى لغة النفوذ والإدارة والقرارات الكبرى، بينما تراجعت العربية داخل مؤسسات يفترض أنها حامية للهوية الوطنية؟
ولم يتأخر الغضب الشعبي في الانفجار على مواقع التواصل الاجتماعي، حيث اعتبر كثيرون أن ما حدث ليس زلة لسان، بل عنواناً صارخاً للفجوة المتسعة بين المغاربة ونخب سياسية وإدارية تشكلت داخل مدارس البعثات الأجنبية والمؤسسات الفرنكفونية، حتى أصبحت أقرب إلى لغة باريس منها إلى لغة المواطنين البسطاء. وفي المقابل، دافع آخرون عن الوزير معتبرين أن إتقان الفرنسية أو الإنجليزية بات ضرورة يفرضها الانفتاح الاقتصادي والعلمي، وأن الكفاءة لا تقاس باللغة فقط.
غير أن الجدل الحالي يتجاوز شخص الوزير نفسه، ليفتح ملفاً بالغ الحساسية يتعلق بمصير المدرسة العمومية المغربية، التي تحولت خلال السنوات الأخيرة إلى ساحة صراع لغوي وتربوي حاد. فمنذ اعتماد تدريس المواد العلمية بالفرنسية، ارتفعت أصوات تعتبر القرار تكريساً لازدواجية تعليمية عمقت الفوارق الاجتماعية، حيث يجد أبناء الأسر الميسورة أنفسهم أكثر قدرة على الاندماج في التعليم العالي وسوق الشغل، بينما يعاني أبناء الطبقات الشعبية من صدمة الانتقال اللغوي.
ويرى متابعون أن أزمة اللغة في المغرب لم تعد مجرد نقاش ثقافي، بل أصبحت قضية سيادة ورؤية مجتمعية. فالدول التي تحترم هويتها تجعل لغتها الوطنية في قلب الإدارة والتعليم والإنتاج العلمي، دون أن يمنعها ذلك من الانفتاح على اللغات الأجنبية. أما في المغرب، فإن استمرار هيمنة الفرنسية داخل مفاصل القرار يطرح تساؤلات محرجة حول النموذج التنموي الذي تريده الدولة، وحول قدرة المدرسة المغربية على صناعة نخبة مرتبطة فعلاً بعمقها الوطني والثقافي.
وفي خضم هذا السجال، تبدو الرسالة التي التقطها كثير من المغاربة واضحة: الأزمة لم تعد في تعثر وزير داخل مناسبة رسمية، بل في تعثر مشروع كامل ظل لعقود عاجزاً عن حسم سؤال اللغة والهوية والتعليم. وبين العربية التي تتراجع، والفرنسية التي تتمدد، يبقى المواطن المغربي البسيط هو من يدفع ثمن الارتباك داخل مدرسة تبحث منذ سنوات عن بوصلتها الضائعة.












