سجلت جمعية “سمسم – مشاركة مواطنة” تناميا ملحوظا في استعمال تقنيات الذكاء الاصطناعي داخل النسيج الجمعوي المغربي، مقابل استمرار غياب إطار قانوني ومؤسساتي متكامل يؤطر هذه التكنولوجيا ويضمن توظيفها بشكل مسؤول وآمن.
وحذرت الجمعية، في مذكرة ترافعية جديدة بعنوان “الذكاء الاصطناعي والمجتمع المدني بالمغرب: نحو حكامة مسؤولة وإطار تنظيمي يراعي احتياجات الفاعلين المدنيين”، من اتساع ما وصفته بـ“فجوة الذكاء الاصطناعي” بين الفاعلين المدنيين، نتيجة تفاوت قدراتهم على الولوج إلى الأدوات الذكية واستعمالها والاستفادة من إمكاناتها.
وأكدت المذكرة، الصادرة خلال يونيو 2026 بدعم من مبادرة الديمقراطية الرقمية التابعة لـCIVICUS وشبكة الابتكار للتغيير، أن الذكاء الاصطناعي لم يعد مجرد تطور تقني معزول، بل أصبح عاملا مؤثرا في إنتاج المعرفة وصناعة القرار وتوجيه الرأي العام، ما يستدعي مواكبة تشريعية ومؤسساتية سريعة.
وأشارت الجمعية إلى أن المغرب يشهد دينامية متزايدة في مجال الرقمنة وتحديث الإدارة والخدمات العمومية، خاصة بعد إطلاق استراتيجية “المغرب الرقمي 2030”، غير أن هذا المسار ما يزال، حسب المذكرة، يركز على الجوانب التقنية والخدماتية دون تطوير إطار قانوني شامل يؤطر آثار الذكاء الاصطناعي الحقوقية والأخلاقية والاجتماعية.
وسجلت الوثيقة وجود فراغ تشريعي في هذا المجال، معتبرة أن المملكة لا تتوفر إلى حدود اليوم على قانون خاص ينظم تطوير أنظمة الذكاء الاصطناعي واستخدامها ومراقبتها، رغم وجود نصوص قانونية ذات صلة بحماية المعطيات الشخصية، والأمن السيبراني، والحق في الحصول على المعلومات.
واعتبرت الجمعية أن هذه النصوص تبقى متفرقة ولا توفر إطارا مندمجا لمعالجة قضايا التحيز الخوارزمي، وحماية البيانات، والمسؤوليات القانونية الناتجة عن استخدام الأنظمة الذكية.
واعتمدت المذكرة على نتائج استبيان وطني شمل 58 مشاركا من مختلف جهات المملكة، أظهرت نتائجه أن الجمعيات والمنظمات المدنية شكلت غالبية المشاركين بنسبة 81 في المائة، تلاها الباحثون بنسبة 12 في المائة، ثم النشطاء المدنيون والفاعلون في المجال التكنولوجي.
وكشفت المعطيات أن 55.2 في المائة من المشاركين يعتمدون أدوات الذكاء الاصطناعي بشكل مستمر في أنشطتهم اليومية، فيما يستخدمها 39.7 في المائة إلى حد ما، مقابل 5.2 في المائة فقط أكدوا عدم استعمالها مطلقا.
وتصدر البحث والتصميم قائمة المجالات الأكثر توظيفا للذكاء الاصطناعي بنسبة 63.8 في المائة، متبوعا بإعداد المحتوى والتواصل، ثم إعداد التقارير والترجمة وتحليل البيانات وإدارة المشاريع.
في المقابل، ظل استعمال الذكاء الاصطناعي في مجالات الترافع والتأثير في السياسات العمومية محدودا، بنسبة لم تتجاوز 6.9 في المائة، وهو ما اعتبرته الجمعية مؤشرا على توظيف هذه التكنولوجيا في الجوانب التشغيلية أكثر من استخدامها كأداة لدعم المشاركة المدنية وصناعة القرار.
وحذرت “سمسم” من أن استمرار هذا الوضع قد يؤدي إلى إعادة إنتاج أشكال جديدة من اللامساواة داخل المجتمع المدني، بحيث تجد الجمعيات الأقل تأهيلا نفسها خارج دوائر التأثير والترافع وصياغة السياسات العمومية.
وحددت المذكرة عددا من المعيقات التي تواجه الجمعيات المغربية، من بينها ضعف برامج التكوين والتأطير المستمر، ومحدودية الموارد المالية، والمخاوف المرتبطة بحماية المعطيات الشخصية، وغياب سياسات داخلية ومدونات سلوك تؤطر الاستخدام المسؤول لأدوات الذكاء الاصطناعي.
كما نبهت إلى إشكالية السيادة الرقمية، في ظل الاعتماد المتزايد على منصات عالمية تحتكر جزءا مهما من البيانات والخدمات الذكية، ما يطرح أسئلة حول استقلالية القرار الجمعوي وقدرته على التحكم في معطياته الرقمية.
ودعت جمعية “سمسم – مشاركة مواطنة” إلى اعتماد مقاربة تشاركية تضمن إشراك المجتمع المدني في إعداد المنظومة التشريعية والمؤسساتية الخاصة بالذكاء الاصطناعي، مع تطوير برامج متخصصة لبناء القدرات الرقمية للفاعلين الجمعويين.
كما شددت على ضرورة توفير الدعم المالي والتقني للجمعيات، ووضع أطر معيارية وأخلاقية واضحة، تشمل مدونات سلوك وسياسات داخلية تضمن الاستخدام المسؤول والشفاف للذكاء الاصطناعي، بما يخدم التنمية والديمقراطية وحقوق الإنسان بالمغرب.












