أعادت التصريحات الأخيرة لوالي بنك المغرب، عبد اللطيف الجواهري، النقاش حول الفارق القائم بين المؤشرات الرسمية للتضخم وما يعيشه المواطنون يوميا في الأسواق. فبينما تشير التوقعات إلى تراجع معدل التضخم إلى حدود 1.5 في المائة خلال السنة الجارية، ما تزال أسعار عدد من المواد الأساسية تثقل كاهل الأسر المغربية.
هذا التباين بين الأرقام الرسمية والإحساس اليومي بالغلاء يطرح أسئلة حول طريقة قياس التضخم، ومدى قدرة المؤشرات المعتمدة على التعبير بدقة عن الواقع المعيشي للمواطنين، خاصة أن جزءا كبيرا من ميزانية الأسر يوجه نحو الغذاء والسكن والنقل.
وفي تفسيره لهذا الوضع، تحدث الجواهري عن مفهوم “التضخم المحسوس”، موضحا أن المواطن يقيس الغلاء انطلاقا من المواد التي يشتريها بشكل يومي، مثل الخضر والفواكه واللحوم وباقي المنتجات الغذائية الأساسية، في حين تعتمد الحسابات الرسمية على سلة أوسع تضم سلعا وخدمات متعددة.
وبناء على ذلك، قد يؤدي انخفاض أسعار بعض المواد أو الخدمات غير المستهلكة يوميا إلى خفض المعدل العام للتضخم، رغم استمرار ارتفاع أسعار المنتجات التي تمس القدرة الشرائية للمواطن بشكل مباشر.
ويرى متابعون للشأن الاقتصادي أن هذا التباين يكشف الحاجة إلى تطوير أدوات القياس الإحصائي، بما يسمح بتقديم صورة أكثر قربا من واقع الأسر. فالمؤشر العام للتضخم، رغم أهميته، لا يعكس دائما الضغط الحقيقي الذي يشعر به المواطن عند اقتناء حاجياته اليومية.
وفي هذا السياق، يدعو خبراء اقتصاديون إلى التفكير في اعتماد مؤشرات أكثر دقة، من بينها مؤشر خاص بالمواد الأساسية الأكثر استهلاكا، مثل اللحوم والخضر والفواكه، مع تتبعه بشكل أسبوعي أو شهري، بالنظر إلى التقلبات السريعة التي تعرفها أسعار هذه المنتجات.
وتكمن أهمية هذا النوع من المؤشرات في قدرته على رصد الارتفاعات المفاجئة داخل الأسواق، خاصة أن أسعار بعض المواد قد تعرف زيادات قوية خلال فترات قصيرة، قبل أن تتراجع ثم تعود إلى الارتفاع مرة أخرى.
ومن بين النقاط التي تزيد من سوء فهم موضوع التضخم، الاعتقاد بأن تراجع المعدل يعني بالضرورة انخفاض الأسعار. والحال أن انخفاض التضخم لا يعني عودة الأسعار إلى مستوياتها السابقة، بل يعني فقط أن وتيرة ارتفاعها أصبحت أبطأ.
فإذا ارتفع سعر مادة معينة خلال السنوات الماضية من 100 إلى 115 درهما، ثم سجل التضخم لاحقا نسبة 1.5 في المائة، فإن ذلك لا يعني أن السعر سينخفض، بل قد يستمر في الارتفاع، لكن بوتيرة أقل. وهذا ما يجعل المواطن يشعر بأن الغلاء مستمر، رغم تحسن المؤشرات الرسمية.
ويؤكد خبراء الاقتصاد أن التضخم له طابع تراكمي، إذ إن موجات الغلاء السابقة، التي مست عددا من المواد الأساسية بنسب مرتفعة، جعلت الأسعار تستقر في مستويات عالية. لذلك، فإن التحكم في التضخم لا يكفي وحده لاستعادة القدرة الشرائية، ما لم تتراجع الأسعار فعليا أو ترتفع مداخيل الأسر بما يوازي كلفة المعيشة.
كما يبرز عامل آخر يزيد من الضغط على المستهلك، ويتعلق باختلالات بعض سلاسل التوزيع والتسويق. فتعدد الوسطاء بين المنتج والمستهلك، وضعف الشفافية في بعض الأسواق، والممارسات المضاربية، كلها عوامل تساهم في ارتفاع الأسعار أو تمنع تراجعها بالسرعة نفسها التي ترتفع بها خلال الأزمات.
ورغم أن السياسة النقدية تلعب دورا أساسيا في كبح التضخم والتحكم في وتيرة ارتفاع الأسعار، إلا أن أثرها يظل محدودا إذا لم تواكبه إصلاحات تمس بنية السوق، وقنوات التوزيع، والمنافسة، والإنتاج الفلاحي.
ومن ثم، فإن تحسين الوضع المعيشي للمواطنين يتطلب مقاربة شاملة لا تكتفي بمراقبة المؤشرات الماكرو اقتصادية، بل تمتد إلى محاربة المضاربة، وتقليص عدد الوسطاء، وتعزيز الشفافية، ودعم الإنتاج، وضمان وصول المواد الأساسية إلى المستهلك بأسعار معقولة.
وبين لغة الأرقام وواقع القفة اليومية، يبقى التحدي الأكبر هو تحويل استقرار المؤشرات الاقتصادية إلى أثر ملموس داخل بيوت المغاربة، حتى لا يظل انخفاض التضخم رقما مطمئنا في التقارير، مقابل شعور مستمر بالغلاء في الأسواق.












