دعت دراسة أكاديمية حديثة إلى إعادة النظر في طريقة تقييم ورش الرقمنة بالمغرب، معتبرة أن نجاح الخدمات العمومية الرقمية لا ينبغي أن يقاس بعدد المنصات الإلكترونية أو الخدمات التي جرى رقمنتها، بل بمدى تأثيرها الفعلي على حياة المواطنين، وجودة الخدمات العمومية، وتحسين العلاقة بين الإدارة والمرتفقين.
وأكدت الدراسة، التي أعدها الباحث سليمان العمراني تحت عنوان “الخدمة العمومية الرقمية بالمغرب في ميزان منهجية قياس الأثر”، أن المغرب حقق تقدما ملحوظا في مجال التحول الرقمي للإدارة العمومية، غير أن المرحلة الحالية تفرض الانتقال من منطق قياس الإنجاز إلى منطق قياس الأثر، من خلال تقييم ما أحدثته هذه الخدمات من تغيير حقيقي في حياة المواطنين والمقاولات والإدارة نفسها.
وأوضح الباحث أن التحولات الرقمية المتسارعة التي يشهدها العالم جعلت الرقمنة خيارا استراتيجيا لتحسين أداء المرافق العمومية، إلا أن تقييم هذه التحولات ما يزال يركز، في الغالب، على مؤشرات كمية مرتبطة بعدد الخدمات الرقمية أو نسب الإنجاز، دون الاهتمام الكافي بقياس النتائج الفعلية ومدى انعكاسها على المستفيدين.
وتستند الدراسة إلى منهجية “قياس الأثر”، التي تميز بين المدخلات والعمليات والمخرجات والنتائج ثم الأثر النهائي، موضحة أن السؤال لم يعد يتمثل في “ماذا أنجزت الإدارة؟”، بل أصبح “ما الذي تغير فعلا لدى المواطن نتيجة هذا الإنجاز؟”.
وفي السياق ذاته، أبرزت الدراسة أن المرجعيات الدولية، وفي مقدمتها برنامج الأمم المتحدة الإنمائي والبنك الدولي، أصبحت تعتمد مقاربة قياس الأثر كأداة أساسية لتقييم السياسات والبرامج العمومية، عبر الانتقال من التركيز على مؤشرات الأداء إلى قياس التغيرات الملموسة التي تحدثها التدخلات العمومية على المستفيدين.
وعلى المستوى الوطني، أشارت الدراسة إلى أن التوجه نحو قياس الأثر يجد سنده في عدد من الخطب الملكية والوثائق المرجعية، مبرزة أن خطاب العرش لسنة 2014 شدد على أن الأهم ليس الحصيلة الرقمية وحدها، بل “التأثير المباشر والنوعي” لما يتحقق من منجزات على ظروف عيش المواطنين، وهو التوجه الذي أعيد التأكيد عليه في خطاب العرش لسنة 2025، من خلال الدعوة إلى أن ينعكس التحول الرقمي على التنمية الترابية وترسيخ ثقافة النتائج داخل الإدارة العمومية.
كما سجلت الدراسة أن عددا من المؤسسات الدستورية والوطنية، من بينها مجلس النواب والمجلس الأعلى للحسابات والمجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي والهيئة الوطنية للنزاهة والوقاية من الرشوة ومحاربتها، دعت خلال السنوات الأخيرة إلى اعتماد تقييم مبني على الأثر الحقيقي للسياسات العمومية.
ورغم هذا الإطار المرجعي، ترى الدراسة أن واقع الخدمات العمومية الرقمية بالمغرب ما يزال يكشف عن فجوة بين توفر الخدمات واستعمالها الفعلي. فإلى حدود نهاية سنة 2024، تمكنت الإدارات العمومية من رقمنة 766 خدمة عمومية بمختلف مستويات الرقمنة، غير أن نسبة الخدمات المرقمنة بشكل كامل لا تتجاوز 23 في المائة، بينما يبقى إقبال المواطنين على استعمال هذه الخدمات محدودا مقارنة بما هو متوقع.
وربطت الدراسة هذا الضعف بعدة عوامل، من بينها محدودية المعرفة بالخدمات الرقمية، وضعف الثقة في التعاملات الإلكترونية، والمخاوف المرتبطة بالأمن السيبراني، واستمرار الأمية الرقمية، وصعوبة الولوج إلى الإنترنت أو الأجهزة الذكية لدى بعض الفئات، إضافة إلى الفوارق المجالية والاجتماعية التي ما تزال تؤثر على فرص الاستفادة من التحول الرقمي.
ويرى الباحث أن تجاوز هذه الإشكالات يقتضي اعتماد نموذج جديد في تدبير ورش الرقمنة، يقوم على إدماج منهجية قياس الأثر في جميع مراحل تصميم وتنفيذ وتقييم الخدمات العمومية الرقمية، مع اعتماد مؤشرات تقيس جودة تجربة المواطن، وسهولة الولوج إلى الخدمة، والوقت والتكلفة اللذين جرى توفيرهما، ومستوى الرضا والثقة، فضلا عن الأثر الاقتصادي والاجتماعي الذي تحدثه الرقمنة على المجتمع.
وخلصت الدراسة إلى أن مستقبل الإدارة الرقمية بالمغرب لن يتحدد فقط بزيادة عدد المنصات الإلكترونية أو الخدمات المرقمنة، بل بقدرتها على إحداث تغيير ملموس في حياة المواطنين، وتحقيق إدارة أكثر كفاءة وشفافية وقربا من المرتفقين، معتبرة أن نجاح التحول الرقمي ينبغي أن يقاس بما يحققه من أثر حقيقي على التنمية وجودة الحياة، وليس فقط بما يسجله من مؤشرات تقنية أو إدارية.












