تتحول الشاشات وفضاءات التواصل الاجتماعي أحياناً إلى نوافذ فاضحة تكشف ما عجزت عنه عيون المجالس المنتخبة؛ حيث أثار تداول فيديو صادم للمسنة “مي حسيبية” وهي تعيش داخل كهف مظلم موجة غضب عارمة. هذه المشاهد القاسية لا تمثل مجرد مأساة إنسانية فردية، بل هي صرخة مدوية توثق بالملموس حجم الهوة السحيقة والواقع المرير لما بات يُعرف بـ “مغرب السرعتين”؛ مغرب يتقدم بخطى واثقة نحو المستقبل على سكة القطارات فائقة السرعة، ومغرب آخر يقبع في خلفية التاريخ محكوماً بسرعة السلحفاة التي تعود لظلمات العصور الوسطى.
الوجه الأكثر قبحاً في هذه النازلة يتمثل في الغياب التام واللامبالاة المستمرة للطبقة السياسية والمنتخبين المحليين الذين يفترض أنهم صلة الوصل وممثلو الشعب. فهؤلاء المسؤولون، الذين لا يتحركون إلا وفق حسابات الانتخابات والمصالح الضيقة، أثبتوا مرة أخرى أنهم في صمم تام عن معانات المواطنين المهمشين. إن وضعية “مي حسيبية” التي تجتر العزلة والقهر بين جدران صخرية صماء، تفضح زيف الشعارات الرنانة للالتزام الاجتماعي، وتؤكد بالدليل القاطع أن بؤس المهمشين لا يهم هؤلاء المنتخبين لا من قريب ولا من بعيد.
إن استمرار هذا التهميش الفاضح في زمن التنمية المجالية يضع الجهات الوصية أمام اختبار حقيقي وفوري لرد الاعتبار لهذه المواطنة المنسية وإخراجها من جحيم الكهف. فما عاد مقبولاً نهائياً أن تظل شرائح واسعة من المغاربة تعيش خارج تغطية أبسط حقوق العيش الكريم، بينما ينعم المسؤولون المنتخبون برغد العيش بعيداً عن واقع المآسي والفقر المدقع. آن الأوان لتحرك عاجل ينهي هذه المأساة الإنسانية، ويحاسب كل متورط في الاستهتار بكرامة المواطنين الأبرياء.












