متابعة : خالد علواني
في قلب المشهد الفني المغربي، يبرز اسم الفنان التشكيلي مصطفى قصطال كصوت متفرد، يزاوج بين الإبداع الفني والوفاء العميق لروح الأطلس المتوسط. أعماله التشكيلية ليست مجرد تراكيب لونية أو تمارين بصرية، بل هي انعكاسات لخصوصية مكان وذاكرة جماعية، تتقاطع فيها تضاريس الأطلس مع رموز التجريد، وتنبض فيها الألوان بالحياة، لتدعونا إلى عوالم بصرية متخيلة، لكنها مألوفة في جوهرها المغربي.
ضمن فعاليات الملتقى الوطني الثالث للفنون التشكيلية، الذي نظمته جمعية لمسات فنية بخنيفرة، قدم قصطال مجموعة من أعماله التي عكست نضج تجربته ومسارا إبداعيا حفره بثبات وهدوء. لوحات عبرت عن امتداد حميمي بين الفنان وموطنه، حيث تكشف التكوينات التعبيرية عن حضور قوي للهوية المحلية، ممزوجة بجرأة تقنية وبصمة شخصية مميزة.
ولم تمر مشاركته دون أن تترك أثرا رمزيا، حيث التقطت له صورة إلى جانب عامل إقليم خنيفرة، السيد محمد عادل أهوران، في لحظة تختزل الاعتراف الرسمي بقيمة الفنان داخل نسيج الثقافة المحلية، وتؤكد حرص السلطات على دعم الإبداع والمبدعين في فضاءات العرض العمومي.
غير أن قصطال، لمن يعرفه عن قرب، ليس فقط فنانا بارعا في مزج اللون وتشكيل الفراغ، بل هو مرب رسخ قيم الفن والجمال في أذهان أجيال من التلاميذ. كنت أحدهم، حين شدتني في فصول التربية التشكيلية تلك الهالة الخاصة التي تحيط به، لا كأستاذ فقط، بل كحامل لرؤية إبداعية متكاملة، تصر على أن تكون كل حصة درسا في الحرية والانفتاح.
اليوم، وأنا أعود إليه بصفتي صحفيا، أكتشف في تجربته ما يتجاوز الذكريات المدرسية، وأدرك أن ما كان يزرعه فينا لم يكن مجرد دروس في الرسم، بل دروسا في الحياة نفسها.
في حديثه عن الفن، يؤمن مصطفى قصطال بأن الإبداع لا يمكن أن يولد إلا في فضاء من الحرية، وأن العمل التشكيلي يجب أن يحرض على التفكير والتفاعل. «الفن ليس تجميدا للواقع، بل تجاوز له»، كما يردد دائما، مؤمنا بأن اللوحة ليست منتجا جاهزا للقراءة، بل دعوة صامتة لبناء المعنى عبر التأمل والمشاركة.
مصطفى قصطال هو مثال على كيف يمكن للفن أن يتجاوز الجدران البيضاء لقاعات العرض، ليصبح أسلوب حياة ورسالة تربية وقيمة مغروسة في النفوس منذ الطفولة. فنه لا يكتفي بجماليات الشكل، بل يحمل في أعماقه روح الأطلس، ويصر على أن يجعل من الجمال فعل مقاومة ضد الابتذال والنمطية.












