نجلاء مرون
تعرف المشاركة السياسية للمرأة في الأدبيات السياسية بانها مجموع الادوار التي تضطلع بها النساء في الحياة العامة سواء عبر التصويت أو الانخراط في الاحزاب أو الترشح للمناصب الانتخابية او المشاركة في صياغة السياسات العامة وصنع القرار العمومي، وينظر إليها باعتبارها ركيزة لتحقيق الديمقراطية التشاركية ومؤشرا على مدى نضج النظم السياسية وقدرتها على إدماج مختلف الفئات الاجتماعية دون تمييز، ومن هذا المنظور فإن حضور النساء في مراكز القرار لا يقتصر على بعد تمثيلي رمزي بل يمثل مدخلا محوريا لإرساء العدالة الاجتماعية والمناصفة الفعلية.
لقد شكل نضال الحركات النسائية في المغرب مسارا طويلا ارتبط بتحولات الدولة والمجتمع، حيث طالبت منذ عقود بآليات قانونية وتشريعية تضمن للنساء حضورا فاعلا في المؤسسات المنتخبة، وقد جاء دستور 2011 ليشكل منعطفا تاريخيا في هذا المسار بإقراره مبدأ المساواة والمناصفة في الفصل 19 وتنصيصه في ديباجته على حظر كل أشكال التمييز، إلى جانب إحداث “هيئة المناصفة ومكافحة كل أشكال التمييز” كما أن التزامات المغرب الدولية، خاصة اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة (سيداو ) عززت هذا التوجه والزمت الدولة بتطوير سياسات ممكنة للنساء.
اعتماد نظام الكوطا اعتبر إجراء مرحليا لرفع نسب تمثيل النساء في المؤسسات المنتخبة، وقد مكن بالفعل من تحسين الحضور الكمي للنساء، فبعد انتخابات 2021 بلغت نسبة النساء في البرلمان حوالي 24% وفي المجالس الجهوية حوالي 38% بينما لم تتجاوز في المجالس الجماعية %20% ، لكن الإشكالية الأساسية بقيت مرتبطة بمدى قدرة هذا الحضور العددي على التحول إلى تأثير نوعي في القرار العمومي. وإذا أخذنا مدينة طنجة كنموذج، نجد أن الانتخابات الأخيرة أفرزت حضورا نسائيا ملحوظا داخل الجماعة الحضرية والمجلس الجهوي، لكن الدراسات الميدانية تظهر أن النساء نادرا ما يصلن إلى رئاسة اللجان الاستراتيجية أو المواقع التي تسمح بالتأثير المباشر في السياسات العمومية، ويعزى ذلك إلى مجموعة من العوامل البنيوية
أولا: استمرار هيمنة الثقافة الذكورية على آليات التسيير الحزبي وتوزيع المسؤوليات، حيث يتم غالبا إسناد المواقع الاستراتيجية للرجال فيما يترك للنساء أدوار ثانوية ذات بعد رمزي أكثر منه تأثيري. ثانيا: غلبة الطابع التعبوي المناسباتي على عمل المنظمات النسائية الحزبية بحيث ينشط حضورها أساسا في الفترات الانتخابية، مما يفرغ رسالتها من مضمونها التمكيني. ثالثا: ضعف التكوين السياسي والفكري و الذي يعتبر من أبرز الإشكالات البنيوية التي تواجه النساء بعض المنتخبات داخل المؤسسات التمثيلية، فالكثير من النساء يصلن إلى مواقع المسؤولية عبر آلية الكوطا دون أن يواكب ذلك مسار ممنهج للتأهيل السياسي أو التمكين المعرفي، هذا الوضع ينتج فاعلات يعانين من محدودية في استيعاب المساطر القانونية والتشريعية، وضعف في امتلاك الأدوات التحليلية التي تسمحبصياغة مواقف قوية، أو تقديم مقترحات تشريعية وتنموية بديلة، اذ تظهر بعض الدراسات كتقارير المعهد المغربي لتحليل السياسات أن نسبة مهمة من النساء المنتخبات في المجالس الترابية أو البرلمان لم يسبق لهن الانخراط في مسارات تكوينية مستمرة، سواء في مجالات الحكامة المحلية أو التدبير المالي أو تقنيات الترافع التشريعي، كما أن التكوينات التي تنظمها بعض الأحزاب غالبا ما تتسم بالطابع المناسباتي المرتبط بالانتخابات، أكثر من كونها برامج منهجية لإعداد قيادات نسائية قادرة على التأثير النوعي في السياسات العمومية.
رابعا: المحدودية الاقتصادية والاجتماعية التي تقلص من قدرة عدد كبير من النساء على خوض الانتخابات في شروط تنافسية عادلة بالنظر إلى ارتفاع تكاليف الحملات الانتخابية وتعقيدات شبكات النفوذ.
خامسا: الصراعات الداخلية بين النساء، اذ تعد هذه الظاهرة أحد أبرز معيقات المشاركة السياسية النسائية حيث يتحول التنافس أحيانا إلى نزاعات شخصية تغذيها الولاءات الضيقة والحسابات الفردية بدل أن يشكل أداة لتجديد النخب وصعود الكفاءات، فغياب ثقافة العمل الجماعي والتضامن بين النساء يفضي إلى تفكك التنظيمات النسائية، مما يتيح للقيادات الحزبية الذكورية استغلال هذا الانقسام لإبقاء النساء في مواقع هامشية ورمزية.
وتتغذى هذه الظاهرة من عوامل متشابكة، بعضها نفسي مرتبط بالبنية الفردية لبعض الفاعلات، كضعف الثقة المتبادلة والرغبة في الاعتراف، وإثبات الذات داخل فضاء يهيمن عليه الرجال، ما يؤدي إلى النظر للأخريات كمنافسات مباشرات بدل أن ينظر إليهن كشريكات في مشروع جماعي، أما على المستوى السوسيولوجي، فإن الثقافة الذكورية المهيمنة ترسخ قيما تنافسية فردانية تتبناها النساء أنفسهن أحيانا بشكل لا شعوري، مدفوعة بضعف التنشئة السياسية وغياب آليات مؤسساتية واضحة لتوزيع المسؤوليات وتسوية الخلافات داخل الأحزاب وهذا التفاعل بين النفسي والسوسيولوجي يضاعفه البعد المجتمعي الأوسع، حيث لا تزال التصورات النمطية تقيد صورة المرأة القيادية وتفرض عليها ضغوطا إضافية تدفع بعض النساء إلى ممارسات فردانية وإقصائية كوسيلة لتأمين موقعهن السياسي وبذلك تصبح هذه الصراعات ليس مجرد انعكاس لطموحات شخصية بل نتيجة بنية تنظيمية وثقافية تعيد إنتاج الهشاشة النسائية في الفضاء الحزبي.
سادسا: استغلال بعض القيادات الحزبية حاجة الأحزاب إلى التمثيلية النسائية لأغراض شخصية أو مصلحية بعيدا عن أجندة فعلية لتمكين النساء.
في خضم هذه التحديات تبرز مسألة أخرى ذات بعد أخلاقي تتعلق بمدى نزاهة الممارسة السياسية للمرأة مقارنة بالرجل فقد كشفت بعض الدراسات ) تقارير البنك الدولي أن ارتفاع نسبة النساء في المؤسسات المنتخبة غالبا ما يرتبط بمستويات أعلى من الشفافية وانخفاض نسب الفساد بالنظر إلى أن النساء أقل اندماجا في شبكات المصالح التقليدية وأكثر انشغالا بالقضايا الاجتماعية والتنموية، وفي السياق المغربي تستحضر هذه الصورة في الخطاب العمومي والإعلامي، حيث ينظر إلى النساء باعتبارهن أكثر نزاهة وأقل تورطا في الحسابات الزبونية التي تطبع المشهد الانتخابي، غير أن هذه الصورة رغم أهميتها في إعادة الاعتبار للمرأة السياسية تظل محاطة بمخاطر التعميم، إذ لا يمكن اختزال المشاركة النسائية في بعدها الأخلاقي وحده فالنزاهة السياسية تظل مرتبطة بالبنية المؤسساتية وآليات المحاسبة أكثر مما هي صفة بيولوجية أو مرتبطة بالنوع الاجتماعي ومع . ذلك فإن حضور النساء في مواقع القرار يظل فرصة لتجديد النخب وتعزيز الثقة في العمل السياسي، خاصة حين يقترن بالكفاءة والقدرة على الترافع، كما أظهرت بعض التجارب النسائية في مدينة طنجة اللواتي تمكن من الدفاع عن ملفات العدالة الاجتماعية والتنمية الحضرية بجرأة واستقلالية.
التحدي المطروح اليوم لا يقتصر على ضمان حضور النساء عدديا عبر الكوطا، بل يتمثل في تحويل هذا الحضور إلى قوة اقتراحية مؤثرة، وهذا يقتضي تطوير المنظومة الانتخابية بما يضمن المناصفة الفعلية وتعزيز الديمقراطية الداخلية للأحزاب بما يتيح صعود الكفاءات النسائية، واعتماد برامج للتكوين السياسي والفكري للنساء، كما يظل تكريس وعي مجتمعي بدور النساء في القرار العمومي عبر المدرسة والإعلام والمجتمع المدني، شرطا لا محيد عنه لتفكيك الصور النمطية حول أدوارهن.
في المقارنة الدولية، يتضح أن المغرب حقق خطوات مهمة مقارنة بعدد من الدول العربية، لكنه ما يزال بعيدا عن تجارب رائدة مثل رواندا أو حتى تونس حيث تجاوزت نسب تمثيلية النساء 40% في المؤسسات المنتخبة ومن هنا، فإن الرهان في السياق المغربي عامة، والطنجاوي خاصة، هو الانتقال من المناصفة الدستورية المعلنة إلى المناصفة الفعلية الممارسة، بما يجعل المشاركة السياسية للنساء رافعة حقيقية للديمقراطية والتنمية المحلية.












