في محيط المساجد الكبرى، وعند إشارات المرور المزدحمة، وأمام المقاهي والأسواق الشعبية، يتكرر المشهد ذاته: نساء يحملن رُضّعاً أو يرافقهن أطفال صغار يمددن أيديهن طلباً للمساعدة. خلال السنوات الأخيرة، بات حضور المتسولات والأطفال المتسولين أكثر وضوحاً في الفضاء العام بمدينة طنجة، ما يثير نقاشاً مجتمعياً متجدداً حول الأسباب الحقيقية للظاهرة وسبل معالجتها.
يؤكد عدد من الفاعلين الجمعويين أن الظاهرة لم تعد ظرفية أو موسمية، بل تحولت إلى سلوك يومي في نقاط بعينها من المدينة.ويلاحظ مواطنون أن بعض الأطفال يتغيبون عن الدراسة أو يقضون ساعات طويلة في الشوارع، خاصة في الفترات المسائية وعطلات نهاية الأسبوع، ما يطرح تساؤلات بشأن أوضاعهم الأسرية ومصيرهم التعليمي.
يرى متتبعون أن توسع رقعة الهشاشة الاجتماعية يشكل أحد أبرز دوافع التسول، خصوصاً في أوساط النساء المعيلات لأسرهن. فالهجرة الداخلية من مناطق قروية نحو طنجة بحثاً عن فرص عمل، وارتفاع تكاليف المعيشة، وصعوبة الاندماج في سوق الشغل غير المهيكل، كلها عوامل تدفع بعض الأسر إلى خيارات قاسية.
وتشير شهادات ميدانية إلى أن بعض النساء يلجأن إلى التسول بعد فقدان المعيل أو الطلاق أو في ظل غياب دعم اجتماعي كافٍ. كما يُسجل حضور أطفال صغار يستغلون عاطفة المارة، سواء بمرافقة أمهاتهم أو بشكل منفرد، في مشهد يثير تعاطفاً واسعاً لكنه يطرح في المقابل مخاوف من الاستغلال.
في مقابل حالات يُرجَّح أنها ناتجة عن فقر فعلي، تتحدث مصادر جمعوية عن شبكات تستغل النساء والأطفال في التسول المنظم، حيث يتم توزيعهم على مواقع محددة مقابل عائد يومي. ورغم صعوبة توثيق هذه الادعاءات بشكل دقيق، فإن تكرار نفس الوجوه في نقاط معينة يعزز الشكوك لدى السكان.
قانونياً، يُجرّم استغلال الأطفال في التسول، كما تندرج حماية الطفولة ضمن أولويات السياسات العمومية. غير أن تفعيل المقتضيات القانونية يصطدم أحياناً بتعقيدات اجتماعية، خاصة حين يتعلق الأمر بأسر كاملة تعيش على هذا النشاط في غياب بدائل واضحة.
جمعيات محلية بطنجة تدعو إلى مقاربة شمولية تتجاوز الحلول الزجرية، معتبرة أن المعالجة الأمنية وحدها غير كافية. وتؤكد هذه الهيئات على ضرورة تعزيز برامج الدعم الاجتماعي، وتمكين النساء اقتصادياً عبر التكوين المهني والمشاريع المدرة للدخل، إلى جانب تتبع أوضاع الأطفال وضمان تمدرسهم.
في المقابل، ينقسم الرأي العام بين من يرى في تقديم الصدقات واجباً إنسانياً لا يقبل التأجيل، ومن يدعو إلى توجيه المساعدات عبر قنوات منظمة حتى لا يتحول التعاطف إلى عامل يغذي استمرار الظاهرة.
تعيش طنجة تحولات عمرانية واقتصادية متسارعة، ما يجعل التباين الاجتماعي أكثر وضوحاً في الفضاء العام. وبين أبراج حديثة ومراكز تجارية كبرى، تبدو صور التسول تذكيراً يومياً بأن التنمية لا تكتمل دون إدماج الفئات الأكثر هشاشة.
يبقى السؤال مطروحاً: كيف يمكن تحقيق توازن بين البعد الإنساني في التعامل مع النساء والأطفال في وضعية تسول، وبين ضرورة حماية القاصرين ومنع أي شكل من أشكال الاستغلال؟ الإجابة، كما يرى فاعلون مدنيون، تتطلب تنسيقاً فعلياً بين السلطات المحلية، والمجتمع المدني، ومؤسسات الرعاية الاجتماعية، حتى لا يتحول الشارع إلى فضاء بديل عن المدرسة والعمل الكريم.












